المغتربون والجهاد

مجاهد ديرانية

تردني بين حين وحين رسائلُ من شُبّان مغتربين عن سوريا يسألون فيها عن حكم الجهاد: هل هو فريضة واجبة عليهم بحيث ينبغي أن يقطعوا دراستهم أو يتخلّوا عن عملهم ويلحقوا به؟ لم أعرف الفتوى في هذه المسألة، وسألت عنها منذ مدة بعضَ أهل العلم فلم أحصل على جواب، فأرجو من إخواني العلماء -ممّن يقرأ هذا المنشور- أن يشارك في البحث وأن يفيد السائلين بما يلهمه الله.

السبب في الحيرة وعدم معرفة الفتوى الصحيحة على وجه اليقين هو أن الحالة التي تعيشها الأمة في العصر الحاضر حالةٌ جديدة لم يعرفها الفقهاء القدماء ولم يبحثوها، فصار واجباً على علماء العصر أن يبحثوها ويُفتوا فيها.

في الأزمنة القديمة كان بلد المرء حيث يقيم، ولم تكن “الدولة القُطرية” التي نعرفها اليوم، والتي يحمل المرءُ جنسيّتَها وينتمي إليها قانونياً ولو امتدت إقامتُه خارجَها عشر سنين أو عشرين. كان المسلمون ينتشرون في دار الإسلام، وإن تعددت وتنوعت السلطات السياسية بين منطقة وأخرى، ولعلهم كانوا يحملون أحياناً أجْوِزة سفر (لا أعرف طبيعتها، ذُكرت في كتب الأدب والتاريخ، وهذا هو الجمع العربيّ الصحيح لها، قال الزمخشري في “أساس البلاغة”: “يقال: خذ جوازك وخذوا أجوزتكم، وهو صكّ المسافر لئلا يُتعرَّض له”) ولكن يبدو أنها كانت لتحقيق الشخصية وليس لتقييد حركة الناس بين ممالك الإسلام.

عندها كان حكم الجهاد واضحاً، وهو -كما ورد في كتب الفقه- أن الجهاد يتعيّن (أي يصبح فريضةَ عين) على أهل البلد الذي هاجمه العدو أو احتله، وهو على غيرهم فرض كفاية، إلا إذا عجزوا عن ردّ العدو بأنفسهم فينتقل التعيين إلى مَن يليهم، الأقرب فالأقرب.

هذه هي خلاصة الحكم، وهو حكم واضح لا مشكلة في فهمه عندما كان أهل البلد -في الماضي- هم المقيمين فيه، فمن أقام في بغداد وجب عليه المشاركة في الجهاد عندما هاجمها المغول أو الصفويون مثلاً، سواء أكانت ولادته في القاهرة أو في سمرقند. ولم يكن عندهم مَن يحمل الجنسية البغدادية (أو العراقية) ويقيم في دمشق أو طنجة فلم يبحثوا: هل يتعين عليه الجهاد لأنه يحمل تلك الجنسية ويتوجب عليه أن يعود إلى بغداد فيجاهد مع أهلها أو لا يتوجب؟

بعبارة أخرى: إذا أردنا إسقاط الحكم الشرعي على الزمان الحاضر فمَن هم أهل البلد الذين يتعين الجهاد عليهم: هل هم الذين يقيمون فيه ولو لم يحملوا جنسيته، أم الذين يحملون جنسيته ولو لم يقيموا فيه؟

الذي ترجّح عندي (وهذا رأيي واجتهادي وليس فتوى في المسألة) هو أن الحكم القديم لا يمكن تطبيقه على إطلاقه في الحالتين، فلا يتعين الجهاد على المقيمين في البلد الذين لا يحملون جنسيته ولا يتعين على حاملي جنسيته الذين يقيمون خارجه، لا يتعين في الحالتين إلاّ بعد عجز أهل البلد الذين يقيمون فيه والذين يحملون جنسيته عن رد العدو بأنفسهم.

التطبيق العملي لهذا الرأي: الجهاد في سوريا حالياً واجبٌ على السوريين الذين يقيمون داخلها، مع تقديم الأقدر على القتال والأكثر رغبةً فيه، لأن الراغبين في الجهاد أكثرُ من قدرة الفصائل المقاتلة على التسليح والإنفاق على المقاتلين، فكأنهم تنطبق عليهم الآية في كتاب الله: {ولا على الذين إذا ما أتَوك لتحملَهم قلتَ لا أجد ما أحملكم عليه تولَّوا وأعينُهم تَفيضُ من الدّمع حَزَناً ألاّ يجدوا ما ينفقون}.

فإذا أمكن تسليح أعداد أكبر واستيعابهم في جيش الثورة ولم يبقَ قادرون على القتال من أهل سوريا المقيمين فيها والذين يحملون جنسيتها ينتقل الوجوب إلى الفريقين الآخرين: الذين يقيمون فيها ولا يحملون الجنسية، كإخوتنا الفلسطينيين، والذين يقيمون خارجها من السوريين الذين يحملون جنسيتها.

وهنا سنحتاج إلى ترتيب الأولوية بين الفريقين، ولا أعرف كيف يكون على وجه اليقين، ولكني أميل إلى تقديم السوري المغترب على الفلسطيني المقيم لأن ارتباط السوري المغترب بسوريا أوثق على المدى الطويل، حيث إنه سيعود إليها ذات يوم قريب أو بعيد، أما الفلسطيني فإنه ينتظر تحرير فلسطين (قريباً إن شاء الله) ليعود إليها ويسترجع أرضه وأملاكه السليبة. وليس في هذا الرأي تكريس لتقسيمات المستعمِرين السياسية لبلدان المسلمين، وإنما هو اعتراف بأمر واقع، لأن الإنسان مفطور على التعلق بموطنه الأصلي الذي عاش فيه وعاش فيه آباؤه، ولنا في تعلق النبي صلى الله عليه وسلم بمكّة أسوة وعبرة.

أخيراً لا بد من القول: نحن هنا نتحدث عن “الحكم الشرعي” في المسألة، مع العلم بأن الجهاد شرف ومنحة لصاحبه قبل أن يكون ضرورة ومنحة للثورة. ومهما يكن حكم الجهاد بالنفس فإن حكم الجهاد بالمال واجبٌ وجوباً لا اختلاف فيه، لأن المجاهدين في الداخل كثيرون وهم أحوج إلى المال والسلاح والذخيرة منهم إلى الرجال، ولأن أهل سوريا المقيمين فيها وصلوا إلى العجز عن كفاية أنفسهم بمواردهم الذاتية، فانتقل وجوبُ الإنفاق إلى مَن يليهم، وأَولى من يليهم بهم هم السوريون الذين يحملون الجنسية السورية ويقيمون خارج سوريا.

الخلاصة: السوري المغترب قد لا تلزمه العودة إلى بلده لزوماً شرعياً صارماً، ولكنه مطالَب بالجهاد من موقعه بما يستطيع، بالوقت والجهد، وبالخبرة والنصيحة، وبكل ما يمكنه دعم الثورة به، وعلى رأسه المال، بكل ما يستطيع من المال وليس بفضول الأموال، واجباً لا تفضلاً وفرضاً لا منّةَ فيه على أحد. وهذا هو أقل الجهاد وهو أضعف الإيمان، فمَن قصّر في الإنفاق (وهو قادر عليه) وكان تقصيرُه سبباً في تأخر النصر أو خسارة المعركة -لا قدر الله- فأخشى أن يكون إثمه كإثم المتولّي يوم الزحف والعياذ بالله.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s