صناعة النجاح وصناعة الفشل

مجاهد ديرانية

يا أيها القراء: استخرجوا دائماً أفضل ما في الناس. كل مخلوق -كبيراً كان أو صغيراً- ينطوي على بذور خير وبذور شر، ثم نجد مَن يشغلون أنفسهم باستخراج أسوأ ما في الآخرين من نوازع، ونجد غيرهم ينشغلون باستخراج أحسن ما في الآخرين من صفات. كونوا من الفريق الثاني ولا تكونوا من الأوّلين؛ أتقنوا صناعة الناجحين الأخيار ولا تتقنوا صناعة الفاشلين الأشرار.

عندما نتعامل مع الناس نستطيع الاختيار بين واحد من أسلوبين: أسلوب “التشجيع” الذي يدفع المرء إلى الأمام، وأسلوب “التخذيل” الذي يجرّه إلى الخلف. الأسلوب الأول يستخرج أفضل ما في الإنسان، فهو يستفزّ فيه خصالَ الخير وينمّي بذورَ الإحسان والنجاح، والأسلوب الثاني يقتل الهمة ويَئِد النجاح، فلا يزال يتابع بذورَ الإخفاق فيسقيها، فلا يَنبت من زَرْعه وسُقياه إلا الفاشلون والخائبون.

وإذا كان الناس كلهم يتأثرون بطريقة تعاملنا معهم، إيجاباً إذا استعملنا الأسلوب الأول وسلباً إذا استعملنا الأسلوب الثاني، فإن أَولى الناس بالتأثر وأسرعهم إليه هم الأطفال، لرقتهم وضعفهم وكثرة تأثرهم بالكبار، ولذلك أكاد أقول إن الانتباه إلى هذه المسألة التربوية قد يكون واحداً من أهم مفاتيح إصلاح الأجيال المتعاقبة، وهي إن صلحت صلحت الأمة كلها وانتفى الخبث من المجتمع بإذن الله.

كيف؟ كل إنسان ينطوي داخله على بذور الفضائل وبذور الرذائل، عنده -مثلاً- استعداد للصدق واستعداد للكذب، استعداد للأمانة واستعداد للخيانة، استعداد للاستقامة واستعداد للالتواء، استعداد للإيجابية واستعداد للسلبية، إلى غير ذلك من الاستعدادات الفطرية المتنوعة. فإذا كان المربي ناجحاً موفقاً فإنه يلتقط طرف الاستعداد الصالح ويسحبه فيعظّمه وينمّيه، ويلاحظ بذرة الاستعداد الطالح فيقاومها ويخذّلها حتى تموت.

لنأخذ مثلاً حالة طفل صغير يتعلم مهارات الحياة، كأن يملأ كأسه بالماء أو يربط رباط حذائه. لا بد أن يخطئ أحياناً أو يتعثر. بعض الوالدِين يسارعون إلى التعنيف والتثبيط، فإذا طفّف الكأسَ فسكب بعض الماء على الطاولة سيقولون له: يا لك من فاشل، لماذا لا تنتبه أثناء سكب الماء؟ أو يقولون: رباط حذائك غير مشدود، سوف ينفكّ فتتعثر وتقع على الأرض، ألا تعرف كيف تربط الرباط وأنت في الثالثة من عمرك؟ الأطفال الذين هم أصغر منك سناً يحسنون هذا العمل!

هذا الأسلوب محبط ومدمّر، وغالباً (في ثلاث حالات أو أربع من كل خمس) يتسبب في فقدان ثقة الطفل بنفسه وفي زيادة ضعف أدائه في المرات اللاحقة، وفي بعض الأحيان يدفع هذا الأسلوبُ الطفلَ إلى محاولة تحسين أدائه حتى لا يتلقى المزيد من التقريع.

الأسلوب الآخر هو أسلوب التشجيع البنّاء. يقول له أبوه: ما شاء الله، لقد استطعت أن تربط حذاءك مع أن كثيرين ممن هم في عمرك لا يستطيعون، لكنْ في المرة القادمة شُدّه أكثر حتى لا ينفكّ فتتعثر وتسقط. أو تقول الأم لابنتها الصغيرة: أحسنتِ، كيف استطعتِ أن تحملي إبريق الماء الثقيل؟ لا شك أنك قوية. إذا صببتِ الماء في كأسك مرة ثانية فلا تملئيها إلى آخرها حتى لا يطفّ الماء على الطاولة، جربي أن تعبئي نصف الكأس فقط، وإذا أردت المزيد فصبّي مرة أخرى.

هذا هو الفرق بين الدفع إلى الأمام والسحب إلى الخلف، بين الرفع إلى المعالي والشد إلى الحضيض، بين التشجيع والتثبيط، بين البناء والهدم، بين استخراج الصفات الإيجابية الخيّرة وتنميتها واستخراج الصفات السلبية السيئة وتنميتها. وللأسف الشديد: ما أكثرَ مَن يتقنون الهدم، وما أقلّ مَن يحسنون البناء!

هذا المنشور نشر في مشكلات اجتماعية وتربوية وأسرية. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s