علي الطنطاوي-كلمات في الثورة

-26-

 

من أخلاقنا التي يجب أن نتخلص منها أننا لا نعرف التعاون ولا نَقْدر أن نعمل مجتمعين، فالفرد منا عامل منتج، ولكن الجماعة عاجزة عقيمة. وعلّة ذلك “الأنانية” المُفْرطة والأثَرَة الجامحة وحبّ الذات الطاغي، فالرجل منا يريد أن يكون هو كل شيء في الجمعية أو الشركة، رئيسها إن كان لها رئيس وعضو الإدارة إن كان مجلس إدارة، وأن يكون له الرأي إن أُخذت الآراء.

 

بل إنا نرى كلاًّ منّا يعطّل أعمال الآخرين ويُبطلها ويعمل على هدمها، بينما نراه مؤمناً بلزومها معتقداً بالحاجة إليها ساعياً إلى القيام بمثلها. فهو يعلم الحاجةَ إلى مدرسة دينيه ويدعو إليها، ولكنه إذا رآها قد فُتحت ونالت قسطاً من النجاح أصلاها حرباً حامية وجعل أكبر همه هدمها وتخريبها. ذلك أن دعوته الأولى لم تكن عن إخلاص ولم يكن يريد بها وجه الله والمصلحة، ولكنه يريد الفخر والشهرة والنفع واللذة، فلما رآك أنت السابق إليها والذاهب بفخرها خان المصلحة وعصى الله ليُرضي أثَرَتَه ويستجيب لأنانيته. وهو شاعرٌ بالحاجة إلى جمعية خيرية، يسعى إلى تأليفها بحماسة وجِدّ ودأب، قد ملأت فكرتُها نفسَه وحياته، فهو لا يتحدث إلا بحديثها ولا يشتغل إلا لتأسيسها، فإذا تم له الفلاح بعد التعب والكفاح وقامت الجمعية ولم يكن هو الرئيس انفصل عنها وحاربها حرباً لا هوادة فيها وسعى إلى هدم ما بناه بيده!

 

هذا داء من أشد أدوائنا الخلقية، إن لم نعالجه فَشَت جرثومته في جسم الأمة فشَلَّت أعضاءها وعطلت أعمالها. وأين هو الإخلاص وأين هو الصدق فيمَن يدعو إلى الخير أو الدين أو الفضيلة، وغايتُه استغلال الدين والخير والفضيلة لمصلحة نفسه وإطاعة هواه؟

في سبيل الإصلاح: أخلاقنا (نُشرت سنة 1938)

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s