محاكمة قَتَلة حمص

محاكمة قَتَلة حمص

مجاهد ديرانية 

-1-

يوشك الستار أن يُسدَل على واحدة من أعظم ملاحم الثورة السورية وعلى أكثر مآسيها طولاً وكآبة، المأساة التي صنعتها أيدي قوم منّا قبل أن تصنعها أيادي الخصوم والأعداء.

ليست هذه المقالة لاستنهاض الهمم، فقد ماتت همم المستنهَضين منذ الزمن الأول فلم يعد لنا فيهم رجاء، ماتت منذ اليوم الذي ضرب فيه العدو على حمص الحصارَ فلم يُبالِ بحصار الأخ أخوه ولا بجوع الجار سائرُ الجيران، ثم شبعت موتاً حينما كانت الكتابات تنهال كالمطر داعيةً ومحفّزة، وسائلةً بالله مَن ينبغي عليه إذا سُئل واستُنصر بالله أن يَنصر ويُعين.

قد تصمد حمص إلى الغد أو إلى غَداة الغد، وقد تصمد أياماً أُخَر، مهما يكن ما بقي لها من أيام في عالم الصمود فقد قُضي الأمر ولم يعد لنا من أمل إلا بخروج أسود الحصار من قلب الحصار آمنين، فلن أكتب ولن يكتب غيري اليومَ للاستنجاد بمَن ما زلنا نستنجد بهم عبثاً منذ دهر، فإن الاستغاثة بالمَوتى لا تجوز، بل أكتب (وأرجو أن يكتب غيري) لكشف الجُناة الحقيقيين الذين ضيّعوا حمص. لماذا؟

لأننا تعلمنا من تجربة مُرّة طولُها نصفُ قرن أن السكوت عن المجرمين هو أول طريق طويل معبَّد بالشوك محفوف بالدموع والآلام، ولأننا نخشى أن لا تكون حمص آخرَ الكوارث، فإن الأيدي الخفية التي لعبت بها توشك أن تلعب بغيرها، ولأن النبتة الضارة لا تقتلع نفسَها من الأرض بنفسها، فلا بد أن يقتلعها الأحرارُ ولو شاكتهم وأدْمَتهم الأشواك.

-2-

لقد تهاوت حمص بسرعة منذ أن فتح النظام تلك الثغرةَ التي خرج منها المئات من الناشطين والمجاهدين وغيرهم من المدنيين العاجزين، ولربما وجد المجرمون الحقيقيون ضالّتهم في أولئك الضحايا المساكين الذين سيُذبَحون مرتين، مرة بسكّين النظام ومرة بسكّين الجُناة الذين أوصلوا حمص إلى الاستسلام والانهيار. إن مَن يحمّل أولئك الضعفاء المساكين مسؤولية سقوط حمص (إذا فعل ذلك أحد) ليس أقل سوءاً من داعش التي سرقت مدناً كاملة واستولت بغير حق على المصانع والصوامع وحقول النفط والغاز ثم قطعت يدَ شاب في رغيف خبز! كم بيننا من الدواعش في ثياب الثوار!

لا، دعوا عنكم مَلامة الضّعَفَة الذين ألجأتموهم إلى الخيار المُرّ، ولولا أنّ فيهم خيراً يفوق ما عند غيرهم بألف مرة لما بقوا في الحصار كل هذا الوقت الطويل ولآثروا الهروب والاستسلام منذ زمن، وإن فيهم مَن دخل إلى جوف الحصار برجليه لأنه أراد صادقاً مخلصاً أن يجاهد في سبيل الله وأن يحمي حمص من الضياع. ولكنْ ماذا تفعل قلّةٌ من الناس حُصِرت في الرقعة الصغيرة من الأرض سنتين بلا مُعين وبُحَّت أصواتها وهي تستغيث ولا مُغيث؟

-3-

حمص لم تمت حَتْفَ أنفها، بل قُتلت قتلاً متعمداً بدم بارد وبتصميم وإصرار، ومن حق السوريين الأحرار اليوم ومن حق أبنائهم غداً أن يعرفوا الجُناة الحقيقيين، ومن العار -ونحن ندعو إلى العدالة والقصاص من المجرمين الذين أجرموا بحق الثورة- أن نتغاضى عن بعض أسوأ المجرمين الذين كانوا سبباً مباشراً في خسارة عاصمة الثورة.

لقد عانت حمص من حصار النظام وحالش من الغرب والجنوب، وأكملت داعش الحصار من الشرق، فأعاقت وصول النجدات ودمرت أرتال الدعم القادمة من البادية، على النحو الذي صار معروفاً مكشوفاً لكل السوريين مؤخراً. ولكن هذه القُوى الثلاث هي العدو الحقيقي اللدود للسوريين، فلا حاجةَ لأن يُتعب أحدٌ نفسَه بهجائها، وهي عمّا قريب جِيَفٌ نافقة إن شاء الله، فبأيّ شيء يُفيدنا سلخ الجيف النافقة؟

نريد أن نعرف الأعداء المستترين الذين ظننّاهم منّا فمنحناهم ثقتنا، فطعنونا في ظهورنا وخانونا وباعونا وكانوا هم السببَ الأكبر للكارثة. إذا كان النظام قد أحكم الحصارَ على حمص -بمساعدة حليفَيه حالش وداعش- من الشرق والغرب والجنوب، فماذا عن الشمال؟

نشر بعضُ ناشطي حمص المعروفين بصدقهم وحيادهم منذ وقت قريب معلومات تؤكد خيانة أحد أكبر قادة الكتائب في الريف الشمالي، وقالوا إنهم يملكون الوثائق والبراهين على صحة ودقّة ما اتهموه به. إذا كان ما قالوه عن الرجل صحيحاً (والمرء يكاد يجزم بصحته من مجرد متابعة تفاصيل قصة حمص في السنتين الماضيتين) إذا كان كذلك فينبغي أن يُحاكَم بتهمة الخيانة العظمى وبيع حمص وسرقة أموال الثورة.

-4-

لم تكن ثورتنا ثورة على سفّاح سوريا ولا على نظام القمع والاحتلال فحسب، بل هي ثورة عامة شاملة على كل ظلم وفساد، وإن ملايين السوريين الأحرار لم ينتظروا إذناً ولا تلقَّوا إرشادات من أحد ليقوموا بثورتهم، فقد سبقوا بها العلماء والمفكرين والساسة المُخَضرمين والعسكريين المحترفين، وعليهم أن يسبقوا الجميع اليوم في ميدان العدالة والقضاء ومحاسبة المجرمين وإسقاط الأقنعة عن الخونة والمنافقين.

لا ينبغي لهذه الكارثة أن تمر بصمت. إنني أقترح أن تتعاون طائفة من ناشطي حمص وإعلامييها المشهود لهم بالنزاهة والصدق والحياد، الذين لا يُحسَبون على أي فريق من الفرق الكثيرة التي تشتّتَ وتفتّتَ بينها قرارُ حمص وضاعت بسبب تفرّقها وتشرذمها وخلافاتها مدينةُ حمص، أقترح أن يتعاونوا على إنشاء صفحة مفتوحة تتخذ عنوانَ هذه المقالة اسماً لها، وأن تحاكم فيها كل المتهمين بتضييع حمص محاكمة علنية، لهم فيها حق الدفاع عن النفس واستشهاد من شاؤوا من الشهود، وسوف يكون الأحرار العقلاء من أهل حمص ومن عامة السوريين هم القضاةَ وهم المحلَّفين.

ليس ما نريده مزيداً من المهاترات والاتهامات وتصفية الحسابات التي تمتلئ بها كثير من الصفحات والتي صارت من الأنشطة المفضلة لكثير من السوريين مؤخراً، إنما نريد من هذه المحكمة أن تكشف الخونة والمقصّرين بالبينة والدليل. ولا يلزمنا أن تُصدر أحكاماً على المتهمين؛ يكفينا أن تُثْبت الجريمة وتثبّت التهم وأن تبرّئ الأبرياء وتدين المجرمين، وسوف يأتي يوم -بعيد أو قريب- توضَع فيه نتائج المحاكمة بين يدي القضاء السوري المستقل في سوريا الحرة، يومئذ يُقضى بين الخصوم.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s