الجبابرة والطغاة في محكمة الديّان

هلك قبل أيام قليلة سفاحُ تدمر الشهير، رئيس المحكمة العسكرية الذي أصدر أحكاماً بالإعدام على نحو عشرين ألفاً من خيرة أبناء سوريا في سجن تدمر في الثمانينيات، اللواء سليمان الخطيب. مات بهدوء في قريته بدريكيش، فكتب أحد معتقَلي تدمر السابقين يقول: كيف؟ كيف يعيش هذا الرجل حياة هادئة هانئة بعد كل الجرائم التي ارتكبها وبعدما فطر قلوب الآلاف المؤلفة من الآباء والأمهات والزوجات والأولاد؟ تمنيت أن يُعتقَل ويحاكَم كما حاكم الآلاف من الأبرياء، وها هو يمضي من الدنيا بكل هدوء. أين العدل؟

 

العدل يا أخا الإسلام؟ العدل هو ما يعانيه هذا المجرم وأنت تقرأ هذه الكلمات من عذاب. مَن قال لك إنه نجا من المحاكمة؟ ما أدراك أنه الساعةَ يُحاكَم على يد ملائكة العذاب، وأن عذابه بدأ من لحظة نزع روحه الخبيثة: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكةُ يضربون وجوههم وأدبارَهم وذوقوا عذاب الحريق}، {ولو ترى إذ الظالمون في غَمَرات الموت والملائكةُ باسِطو أيديهم، أخرجوا أنفسَكم، اليومَ تُجزَون عذاب الهون}؟

 

لقد هلك اليوم سفاح تدمر وسيهلك بعده سفاح سوريا الأكبر ويهلك كل الطغاة والمجرمين. كلهم زائلون. أين يهربون من مَلَك الموت؟ {وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تَحيد}. في تلك اللحظة يدخل المجرمون دهاليزَ العذاب في برزخ طويل لا ينتهي حتى قيام الساعة: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعَثون}، يَلقَون فيه عذاباً متصلاً لا ينقطع: {النارُ يُعرَضون عليها غُدُوّاً وعَشِيّاً}، {فنُزُلٌ من حميم، وتَصليةُ جحيم}.

 

اطمئنوا يا معتقَلي تدمر، يا من ترقبتم يوم الجزاء. لم يَنْجُ سفاح تدمر من المحاكمة كما لن ينجوَ منها أحدٌ من الطغاة والجبّارين. سوف يحاكَم في قبره ويعذَّب في البرزخ أشدّ العذاب، ثم يحاكَم بعدها المحاكمةَ الكبرى في يومٍ آتٍ لا مفرَّ منه، يومٍ يقف فيه في محكمة الديّان أمام الخلائق أجمعين، فيُسأل عن كل نفس أذاقها في الدنيا العذاب، ثم يصدر عليه الحكم العادل الذي يستحقه هو وأمثاله (وإنّ أمثالَه لكثير): {خذوه فغُلّوه، ثم الجحيمَ صَلّوه}، فيعذَّب في الجحيم عذاباً ليس فيه التماس ولا تخفيف: {لا يُخفَّف عنهم العذاب}، عذاباً تعادل اللحظةُ منه عذابَ الأبد في الدنيا، عذاباً بلا نهاية: {لا يُقضى عليهم فيموتوا}، {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميّت، ومن ورائه عذاب غليظ}.

 

لقد فاتكم في الدنيا مشهد الانتقام، وما هو بشيء، المشهد الأكبر هو يوم الانتقام العظيم: {يومَ نبطش البطشة الكبرى، إنّا منتقمون}، {إنا من المجرمين منتقمون}. يومئذ فرحتكم الكبرى، يومئذ يفرح المؤمنون.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s