قاتلوا داعش كما تقاتلون النظام

قاتلوا داعش كما تقاتلون النظام

 مجاهد ديرانية

 

ختمت المقالة الأولى (في هذه الرباعية التي نشرت منها اثنتين، وهذه الثالثة، وبقيَت الرابعةُ أنشرها غداً إن شاء الله) ختمتها بتساؤل: يوشك الخطر الداعشي أن يعود أكبرَ مما كان، فماذا يصنع المجاهدون؟ ثم أجبت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: “أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ قتلَهم أجرٌ لمن قتلهم يوم القيامة”. وختمت المقالة الثانية بسؤال: ماذا نصنع مع هذه الشجرة الخبيثة؟ ثم أجبت: “لا حل إلا بقلعها من الجذور، لا حل إلا بقتال البغاة الظالمين المعتدين”. أكملُ هنا من حيث انقطعت هناك.

 

-1-

 

أخشى أننا لا يزال فينا مَن يتورع ذلك الورع البارد السخيف الممجوج ويقول: “كيف أقاتل مَن يرفع راية التوحيد”؟ فلا يزال يتعفف ويتردد حتى يَفنَى خيارُ المجاهدين كما حصل مع إخواننا في العراق، وكما حصل في مأساة الجزائر وكارثة الصومال.

 

أما آن للمجاهدين في سوريا أن يتعلموا من أخطائهم؟ في الخامس عشر من آذار سلّمت داعش مقراتها وأسلحتها الثقيلة في الساحل لجبهة النصرة، فسمحت الجبهةُ للدواعش بالانسحاب إلى الرقة بأسلحتهم الفردية. بعد ذلك بيومين فجّرَت داعش مفخخةً في موقع للنصرة في مركدة، وبعد اثني عشر يوماً اجتاحت قوةٌ داعشية كبيرة البلدةَ فاحتلتها وقتلت خمسين من مقاتلي النصرة والأحرار.

 

ليست تلك المرةَ الأولى التي يسمح فيها المجاهدون لقوات داعشية بالمرور الآمن عبر مناطقهم فتجازيهم داعش بجزاء سنمّار، والغريب أن الفصائل التي تحسن معاملة داعش هي دائماً أولى ضحاياها. ألا يتعلم المجاهدون أبداً؟

 

في هجوم داعش الغادر على البوكمال فقدَ لواء عمر المختار أكثر من عشرين من مجاهديه، وفقد لواء القادسية أكثر من ذلك، وكلاهما من الجماعات التي رفضت المشاركة في قتال داعش في الحرب الماضية. بل إن الأول منهما كان تابعاً لحركة أحرار الشام، وعندما غدرت داعش بالأحرار وقتلت منهم مئة وعشرين مجاهداً غدراً وصبراً أثناء انسحابهم من الرقة فاضطر الأحرار إلى الرد والدفاع عن أنفسهم، عندها أعلن لواء عمر المختار انفصاله عن الأحرارحتى لا يشارك في القتال، لكيلا يقاتل “الإخوة في المنهج” كما أعلن في بيان الورع البارد الذي أصدره يومها، فصار أخيراً من ضحايا داعش في البوكمال.

 

ومثلهما لواء أويس القرني الذي هادن وسالم واعتزل القتال، فكان من أوائل ضحايا داعش في الرقة بعدما أعادت احتلالها، واسألوا اللواء: أين أميره اليوم؟ وكيف انفرط عقده وأين “تبخّر” مقاتلوه؟ وماذا حصل بمطار الطبقة الذي كان اللواء يحاصره قبل أن تضربه داعش الضربة القاضية فتصادر أسلحته وتسلم قادته للنظام وتشتت مقاتليه؟ بل اسألوا -قبل سوريا- أهلَ العراق، اسألوا أخلص حلفاء “دولة العراق” وأقربهم إليها في المنهج، جماعة “أنصار الإسلام” التي فتكت بها “الدولةُ” الفَتْكةَ الكبرى فقوّضت بنيانها وتعقبت قادتها ومقاتليها بالتفجير الغادر والاغتيال الجبان.

 

هنيئاً لأصحاب الورع البارد بما جَنَتْه أيديهم! ليتهم فقهوا أمر كتاب الله إن كان الدواعش بغاة: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، وليتهم فقهوا أمر رسول الله إن كان الدواعش خوارج: “أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ قتلَهم أجرٌ لمن قتلهم يومَ القيامة”.

 

-2-

 

كشفت الأحداث الأخيرة في ريف دير الزور أمراً في غاية الخطورة، هو وجود خلايا داعشية نائمة كانت تترقب وتنتظر الهجومَ الداعشي، ولم تلبث أن انضمت إلى الغزاة فور دخولهم إلى البوكمال، كما تحركت في عدد من القرى والبلدات فتسببت في فوضى واضطراب في أنحاء الريف الديري كله. هذا الكشف الخطير دَقّ أجراس الخطر في جميع المناطق المحررة، ولا يتصامّ عنه ويتجاهله إلا غافل. لقد انتشرت داعش في جسم الثورة كما تنتشر الخلايا السرطانية في الجسد السليم، ولم يَعُد يجدي معها علاجٌ سوى البتر والاستئصال.

 

إنها صيحة إنذار أرجو أن يسمعها إخواننا المجاهدون في غوطتَي دمشق الشرقية والغربية وفي مناطق دمشق الجنوبية التي ينتشر فيها عدة مئات من الدواعش، وللأسف فإن السذاجة (التي هي من سمات المسلمين عموماً والتي لا يخلو منها المجاهدون) حملت مجاهدي الغوطة على إحسان الظن بأولئك الدواعش، فتركوهم يعيشون بينهم ويرفعون رايتهم ويتحركون كيف يشاؤون، ولم ينتبهوا إلى أنهم قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة وأنهم غدّارون ليس لهم أمان.

 

الأمر نفسه يقال عن حوران التي تسربت منها مؤخراً أخبار تدعو إلى القلق، فقد ورد أن عدة مئات من الدواعش بدؤوا بالتجمع في منطقة بئر القصب القريبة من اللجاة، وتقول المصادر التي نقلت تلك الأنباء المقلقة أن معسكر الدواعش يقع قريباً من قطعة عسكرية للنظام، ورغم ذلك فإنه لا يتعرض لأي مضايقات، بل يبدو أنه يتمتع بالرعاية والحماية كما هو الشأن في معسكرات داعش ومقراتها التي يرعاها ويحميها النظام في كل الجبهات. فيا مقاتلي حوران الأشاوس: لقد أنجزتم الانتصارات العجيبة خلال الشهور الاخيرة لأن ظهركم آمن، فإذا دخلت عليكم داعش الباب خسرتم الأمان وصارت خنجراً في الظهر، فعالجوا الداء قبل أن يستشري وينتشر، ولا علاج لهذا الداء الفتاك إلا بالكَيّ بالنار.

 

ما أعجبَ أن يسمح المجاهدون ببقاء الدواعش بين أظهرهم بحجة أنهم لا يصدر عنهم ضرر ولا يُتوقَّع منهم خطر، وليست تختلف هذه السذاجة عن السماح لبعض عناصر المخابرات الجوية أو بعض مقاتلي حالش بالبقاء في المناطق المحررة بحجة أنهم لا يبدو منهم شر ظاهر! إن الثلاثة (داعش وحالش والنظام) أبناء مدرسة واحدة في الغدر والتقيّة، وهل تتوقعون أن يجهر أي من الدواعش أو الحوالش بعدائه وهو في بحر من المجاهدين؟ لكن انتظروا إلى يوم يأتيهم فيه المدد من الخارج أو يشنّ فيه “إخوانهم” في العصابة هجوماً على مناطقكم المحررة، وعندئذ ستعرفون أن الحياة مع العقارب ليست من أعمال العقلاء.

 

-3-

 

وصفتُ في المقالة الأولى (داعش تضرب من جديد) المؤامرةَ الداعشية الجديدة لإعادة احتلال المناطق التي فقدتها في الحرب الماضية، وأثبتُّ في المقالة الثانية (داعش والنظام: وجهان لعملة واحدة) تواطؤ داعش وتعاونَها مع النظام وتعاونَ النظام معها في قتال المجاهدين وإجهاض الثورة. فكيف يمكن إفشال مؤامرة داعش، وكيف نستطيع وقفَ شرّها وبغيها وتمددها في المناطق المحررة؟

 

في الرابع والعشرين من شباط وعلى إثر مجزرة تل براك أعلنت بعض عشائر الحسكة تشكيل “جيش ثوار العشائر” لمواجهة ميليشيا وحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وفي السادس عشر من نيسان اتفقت مجموعة من عشائر دير الزور على حشد آلاف المقاتلين لوقف البغي والعدوان الداعشي على مدن وأرياف المحافظة.

 

هذا هو الحل، فحيث إن الفصائلَ الكبرى مشغولةٌ بالقتال في جبهات متعددة ومتباعدة فإن المصلحة تقتضي إنشاء قوة عسكرية محلية في كل منطقة تتعرض للخطر الداعشي، فتجتمع كتائب الباب ومنبج والراعي وجرابلس وما حولها وتؤسس غرفة عمليات مشتركة للدفاع عن الريف الحلبي الشرقي، وتشترك عشائر دير الزور والحسكة والرقة في إنشاء “جيش العشائر الحر” لتحرير المنطقة الشرقية وحمايتها من خطر داعش والنظام، كما صنع إخوانهم في عشائر الأنبار حين كوّنوا جيشاً عشائرياً مستقلاً استطاع حمايةَ المناطق السنّية من العدوين الكبيرين: داعش الباغية وجيش المالكي الطائفي.

 

أسرعوا -يا نشامى الفرات- في تأسيس هذا الجيش، وليكن جيشاً حقيقياً منظماً يضم عشائر دير الزور والحسكة والرقة جميعاً، وأخرجوا الخوارج من أرضكم، فإنهم خطر داهم وهَمٌّ دائم وإنهم يفسدون ولا يصلحون. واسمعوا ما يقولونه في بعض حساباتهم التويترية: “الخير آت قريباً في ولاية الخير، في البوكمال والميادين والقورية والشحيل، سنأتيهم بليلة مظلمة وسنجعل أعزة أهلها أذلة”… بل خسئوا وخسروا باتحادكم وجهادكم، قتلهم وأذلّهم الله.

 

أخرجوا الدواعش من أرضكم، ولاحقوهم إلى “ولاية البادية” التي صارت مستقراً لهم ومستودعاً لقواتهم ومقاتليهم. قاتلوهم في الحميمة والرصافة، وفي الزّملة التي يتجمعون فيها وينطلقون منها لتنفيذ الغارات الجبانة والهجومات الغادرة على دير الزور، فإن بقاء تلك البؤر الداعشية سالمةً سيهدد الشرقَ السوري كله على المدى البعيد.

 

-4-

 

فيما تصدّرَ لقتال داعش عددٌ كبير من الكتائب المحلية في الحسكة والرقة ودير الزور، بالاشتراك مع جبهة النصرة وأحرار الشام، اختارت كتائبُ أخرى أن ترابط في جبهات أكثر أهمية، آبار النفط التي صارت تلك الكتائبُ أكثرَ اهتماماً بها منها بقتال داعش أو بقتال الأسد! هذه الكتائب لا تحتاج إلى دروس في الإيمان ولا إلى دروس في الوطنية، إنها تحتاج إلى دروس في الحكمة والمصلحة فحسب.

 

صحيحٌ أنكم -يا كتائب النفط- ترابطون على آباركم سالمين وتَروحون كل يوم غانمين، وغيرُكم من شرفاء الكتائب والمجاهدين يتعرضون لنار النظام من هنا ولنار داعش من هناك فيقدّمون كرائمَ الأنفس والأموال ويُصابون ويصبرون، ولكنهم -على التحقيق- هم الفائزون وأنتم الخاسرون، لأن تقاعسكم عن قتال العدو بطرفَيه، داعش والنظام، سوف يتسبب في خلخلة الصفوف وتهاوي الجبهات، وعندئذ سوف تكونون أنتم أولَ الخاسرين. فإذا انتصرت الكتائب الشريفة (وهي منصورة بإذن الله) فأرجو أن يكون عقابكم على رأس أولوياتها، ولو أنها انكسرت (لا قدّر الله) فلن تجدوا عاصماً يعصمكم غداً من داعش ومن النظام. أنتم الخاسرون في كل حال، فتوبوا إلى الله وعودوا إلى الجهاد الصادق وضعوا أيديكم في أيدي إخوانكم المخلصين الشرفاء قبل فوات الأوان.

 

*   *   *

 

كلمة أخيرة أوجبتها المناسبة: إن النفط ثروة للسوريين جميعاً، ومن حق سكان الشرق السوري الذين يقومون على استخراجه وعلى تكريره وتسويقه وحمايته أن يكون لهم نصيب متميز من هذه الثروة، على أن توزع توزيعاً عادلاً ولا تستأثر بها جماعات أو عشائر أو كتائب محددة دون غيرها، كما أن من حق عامة السوريين أن يكون لهم نصيب فيها أيضاً.

 

فإذا نشأ “جيش العشائر الحر” الصالح الذي نرجوه فإنه لن يكون مسؤولاً عن حماية المحافظات الشرقية من داعش والنظام فحسب، بل ينبغي أن يكون له أيضاً سلطان كامل على حقول النفط وآباره وحرّاقاته جميعاً. ويتوجب عليه أن يستعين بأهل الخبرة لتطوير أعمال الاستخراج والتكرير، فيستبدل وسائل آمنة حديثة بالوسائل البدائية التي تضرّ الإنسان والحيوان والزرع والبيئة، ثم يقتطع نصف العائدات فيقدمها للمناطق السورية التي لا نفطَ فيها، ويصرف نصفَها الآخر في تمويل الكتائب المحلية والإنفاق على المشروعات الإغاثية التي تُصلح معاش الناس في الجزيرة السورية.

 

هذا اقتراحي أقدمه مخلصاً محتسباً لا أرجو به سوى الخير لأهل الشرق السوري خاصة وللسوريين كلهم عامة، وأدعو الله أن يشرح له الصدور وأن يسخّر لتنفيذه كلَّ قويٍّ أمينٍ من أهلنا المكرَّمين في الحسكة والرقة ودير الزور.

 

(التكملة في المقالة القادمة إن شاء الله)

هذا المنشور نشر في داعشيات, رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s