حمص: انسحاب الرجال

حمص: انسحاب الرجال

مجاهد ديرانية 

-1-

نعم، إنه انسحاب الأبطال المظفَّرين الذين آثروا الانسحاب الكريم على الدنيّة والهوان. انسَحبوا، نعم، ولكنهم انسحبوا بأسلحتهم مقاتلين كراماً مرفوعي الرؤوس ولم يستسلموا الاستسلامَ الجبان. عُرضت عليهم الهدنة والبقاء فأبَوا البقاء تحت سيف العدو، وعُرضت عليهم المصالحة و”التسوية” ورغد العيش فرفضوا العيشَ الرغيد في أحضان الاحتلال.

ونعم أيضاً، لقد خسرنا الجولة، ولكنّا لم نخسر المعركة ولم نخسر الحرب. إنها “جولة” في “معركة” حمص، وحمصُ “معركة” في “حرب” التحرير التي بدأت في سوريا كلها منذ ثلاث سنوات، وسوف تستمر حتى النصر الكامل والفتح المبين إن شاء الله.

-2-

إنّ الشجاعةَ في القلوب كثيرةٌ     ***     ووجدتُ شجعانَ العقول قليلاً

هذا ما يقوله شوقي، وقد صدق. إن الحرب لا تقوم إلا على عمودين، الرأي والشجاعة، والرأيُ أسبق، كما قال شاعرنا القديم: “الرأي قبل شجاعة الشجعان”.

قرأت ذات يوم كتاباً عنوانه “القرارات المهلكة” شارك في تأليفه عددٌ من كبار الضباط الألمان من قادة الحرب العالمية الثانية. يقول أولئك العسكريون المتمرّسون إن أكبر أربعة أخطاء ذات نتائج كارثية يرتكبها القادة في الحروب هي: عدم الهجوم حين ينبغي الهجوم، والهجوم حين ينبغي عدم الهجوم، والانسحاب حين ينبغي عدم الانسحاب، وعدم الانسحاب حين ينبغي الانسحاب.

قبل كتابة ذلك الكتاب بقرون طويلة سُئل عنترة: بِمَ شاع عنك أنك أشجع العرب وأشدها؟ قال: “كنت أُقْدِم إذا رأيت الإقدامَ عزماً وأُحجم إذا رأيت الإحجامَ حزماً، ولا أدخل موضعاً لا أرى لي فيه مَخرجاً”.

-3-

كَثُرَ في هذه الأيام الحديثُ عن معركة مؤتة وانسحاب خالد رضي الله عنه منها، ويا له من استحضار جميل لحادثة تاريخية كان قائد الانسحاب فيها واحداً من أعظم القادة العسكريين في التاريخ، وكان الشاهد على الانسحاب خيرَ رجل عاش قط، محمد صلى الله عليه وسلم. فماذا قال الشاهد في انسحاب القائد؟

أخرج أحمد في مسنده عن عبد الله بن جعفر أن خبر مقتل قادة جيش مؤتة وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم (أي بطريق الوحي) فخرج إلى الناس، فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: “إن إخوانكم لَقُوا العدو، وإن زيداً أخذالراية فقاتل حتى قُتل (أو قال: استُشهد)،ثم أخذالرايةَ بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قُتل (أو استُشهد)،ثم أخذالرايةَ عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قُتل (أو استُشهد). ثم أخذالرايةَ سيفٌ منسيوف الله، خالد بن الوليد، ففتحالله عليه”.

وفي رواية أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه قال: “ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأُصيب زيدٌ شهيداً، فاستغفِرواله. فاستغفرلهالناس. (وذكر مثل ذلك عن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، ثم قال): ثمّ أخذ اللواءَ خالدُ بن الوليد، اللهمّ هوسيفٌ من سيوفك فانصره”. فيومئذ سُمِّي خالدٌسيفَ الله المسلول.

فسمّى النبيُّ صلى الله عليه انسحابَ خالد بالجيش نصراً (في رواية) وسمّاه فتحاً (في رواية أخرى)، ومنحَ قائدَ الانسحاب أرفعَ وسام عسكري في التاريخ؛ وساماً لم يَنَلْه أحدٌ قبلَه ولم ينَلْه أحدٌ بعدَه، قدّمه له قائدُ البشرية وخيرُ البريّة: لقب “سيف الله المسلول”.

-4-

بالمعايير العسكرية صار سقوط حمص أمراً حتمياً منذ شهور طويلة، فقد أحكم العدو عليها الحصارَ وسُدَّت الأنفاقُ التي كان الثوار يحصلون عبرها على بعض الأغذية والذخيرة، وفشلت عدة عمليات لكسر الحصار من الداخل، ولم يبقَ أملٌ إلا بنجدة تأتي من خارج الحصار، والبديل هو الانتحار. أيصحّ أن يَنحر ألفان من خيرة مجاهدي سوريا أنفسَهم لكي يؤخّروا السقوط المحتوم؟ وكيف و”حُرمةُ المسلم أعظم من حرمة الدار” كما يقول العلماء؟ وكيف وهم أشدُّ نفعاً لحمص لو خرجوا فأعَدّوا العدة ثم عادوا إليها فاتحين؟

سنتان ولم تأت النجدة من خارج الحصار، ثم نسمع أصواتاً ناشزة تلوم المجاهدين! لقد استنفد الأبطالُ المحاصَرون في حمص الوسعَ واستفرغوا الإمكانيات، وصبروا حتى خجل الصبر من صبرهم، واستغاثوا حتى ضَجَّت باستغاثاتهم الدنيا وسمعها المسلمون في أقطار الأرض، فإنْ كان أحدٌ يُلام فكلّ الناس يُلامون إلاّ هم، أو يُلام على التحقيق كل من كان يملك أن يصنع لحمص شيئاً ثم لم يصنعه، كائناً مَن كان، عرفه الناس أو لم يعرفوه، ويومَ العرض الأكبر تُنشَر القراطيس وتُفتَح السجلات وتُعرَض الحسابات.

كل مَن ساهم في بيع حمص مجرمٌ آثم سيلعنه الناس ويلعنه التاريخ، كل مَن شارك في عرقلة حملات فك الحصار عن حمص مجرمٌ آثم سيلعنه الناس ويلعنه التاريخ، كل من أعاق وصول الدعم إلى حمص مجرم آثم سيلعنه الناس ويلعنه التاريخ. لعنة الله على داعش، لعنة الله على أمراء الحرب ولصوص الثورة.

-5-

سنتان والناس يموتون في الحصار ببطء ويستصرخون ولا سامعَ ولا مجيب، والآن خرج المُفتون في صفحات الفيسبوك كما يخرج الكمأ (الفطر البرّي) في أرض الصحراء، يُفتون ويَهذِرون بما ليس لهم به علم، يلومون ضحايا الحصار وقد كان أَولى بهم أن يلوموا أنفسهم ويلوموا الجُناةَ الحقيقيين، الخَوَنةَ والمقصّرين والمتقاعسين. غفلوا عن آيةٍ في كتاب الله ليس لهم فيها عذر: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر}، وتذكروا آية لأصحابها مئةُ عذر: {ومَن يُولّهم يومئذ دُبُرَه}، فاتهموا المنسحبين من حمص بارتكاب كبيرة التولّي وهدّدوهم بغضب الله. وأين ذهبوا بتتمة الآية: {إلاّ متحرِّفاً لقتال أو متحَيِّزاً إلى فئة}؟

ليس متولياً من تَحَرَّف لقتال، قال القرطبي في التفسير: “فالمتحرف مِن جانبٍ إلى جانب لمكايد الحرب غيرُ منهزم، وكذا المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غيرُ منهزم أيضاً”. وهؤلاء الرجال الأبطال ما خرجوا من حمص فراراً من القتال، بل خرجوا ليسأنفوا القتال. إنهم العكّارون.

عن عبد الله بن عمر قال: لقينا العدوَّ، فحاص المسلمون حَيصةً (أي جالوا يطلبون المَحيص، والمحيص هو المهرب، كما في قوله تعالى: {وما لهم من محيص}). قال: فكنت فيمَن حاص، فدخلنا المدينةَ فتعرّضنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج للصلاة فقلنا: يا رسول الله، نحن الفَرّارون. قال: لا، بل أنتم العكّارون؛ إني فئةٌ لكم”. قال أهل اللغة: العكارون هم العَطّافون، ويقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكرّ راجعاً: عَكَر واعتكر.

وكل ذلك في الحرب التي يقف فيها واحدٌ من المسلمين أمام واحد من الأعداء أو اثنين، فإن كانوا أكثرَ فلا تولّيَ ولا لوم. فكم بلغ الأعداء الذين أحاطوا بمجاهدي حمص المحاصَرين؟ روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس: “مَن فَرّ من ثلاثة لم يفرّ، ومن فَرّ من اثنين فقد فر”. هذا وأبطالُ حمص لم يفرّوا بل هم قد تحرّفوا للقتال، وإنما سقت ذلك كله ليقرأه المتفيقهون.

-6-

كلمة الختام: كانت حمص عاصمةَ الثورة في أول الأمر، وبقيت حمص عاصمةَ الثورة من بعد، وستعود حمص إلى الثورة وتقود الثورةَ إلى النصر بإذن الله.

سأحكي لكم ما وقع من أحد الإخوة المجاهدين يوم أمس، وهو قائد لإحدى المجموعات المجاهدة في حمص المحاصرة: خرج إلى الحرية بعد سنتين من الحصار وبعدما أمضى شهوراً طويلة لم يأكل فيها أي طعام كالذي نأكله، إنما هو المرق المخلوط ببعض الحشائش والبقول، فماذا كان أول ما فكر فيه بعد الخروج من الحصار؟ وليمة من المشاوي والمحاشي ولذائذ الأطعمة؟ حمّاماً ساخناً وثياباً جديدة نظيفة؟ إجازة استجمام وراحة لمدة أسبوع؟

لا يا سادة، إن أول ما طلبه أنه قال: أرسِلوا إلينا بعض الدعاة فإننا سنبدأ معسكراً دعوياً بعد غد، وابدؤوا بجمع التبرعات لأننا سنبدأ منذ اليوم بشراء السلاح والاستعداد للعودة إلى حمص.

أقسم بالله غيرَ حانث إن هذه حقيقةٌ من الحقائق لا خَيَالةٌ من الخَيالات، وإن بدا أنها أقرب إلى الخيال. أهؤلاء قوم مهزومون؟ ليتَ المسلمين كلهم يُهزَمون لو كانت هذه هزيمة!

لن نُهزَم وفينا أمثال هؤلاء إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على حمص: انسحاب الرجال

  1. يقول Aqil Abdu:

    الله يجزيك خيراً، ويجعل ما كتبت في ميزان حسناتك. أحسنت بارك الله في عمرك.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s