ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (3)

ماذا يحدث في سوريا والعراق؟

(3) حروب التقسيم وحدود الدم

مجاهد ديرانية

 

-1-

 

تُشارك في الثورة العراقية قُوى متعددة كما هو الشأن في الثورة السورية، وتشكل داعش تهديداً حقيقياً للثورتين، ولكن خطرها في العراق أكبر بسبب فرق جوهري بين ثورتَي البلدين. في الحالتين بدأت الثورة بحراك شعبي سلمي هائل وانتهت بعمليات عسكرية واسعة، ولكن الثورة السورية بدأت وليس في سوريا جماعة مسلحة واحدة، ثم نشأ العمل العسكري من داخل الحاضنة الشعبية فكان ملكاً للثورة وممثلاً لها، وأخيراً جاءت داعش من خارج الحدود بمشروعها المسموم والمرسوم والمدعوم فصارت حرباً على الثورة كما هو معلوم، ولكن الجماعات المسلحة كانت تملك من القوة ما مكّنها من إرباك المشروع الداعشي ووقف تمدده على كامل الأرض السورية المحررة. أما في العراق فقد سبق العملُ العسكري الثورةَ الشعبية بوقت طويل، فلما بدأت الثورة كانت مجموعةٌ من القوى العسكرية تقتسم الميدان، ويمكننا تصنيفها في أربع مجموعات رئيسية هي:

 

1- الفصائل المستقلة التي يتكون أكثرها من مجاهدين متدينين حملوا السلاح بعد الاحتلال، أي من إحدى عشرة سنة، كجيش المجاهدين والجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وجامع وحماس وأنصار السنّة.

2- جيش رجال الطريقة النقشبندية، الذي يتكون من أتباع الطريقة ومعهم عدد كبير من عناصر الجيش العراقي القديم والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية السابقة، وقد تحدثنا عنه في المقالة الماضية.

3- مسلّحو العشائر الذين حملوا السلاح وبدؤوا بتنظيم أنفسهم مؤخراً رداً على البطش الطائفي ومجازر المالكي في ساحات الاعتصام.

4- داعش التي عملت طوال السنين الماضية على الفتك بالجماعات الأخرى واستئصالها.

 

عندما نتأمل الجماعات الأربع السابقة سنجد أن اثنتين منها كانتا في عافية كاملة واستعداد للقتال، فتوافقتا على تحديد زمان ومكان المعركة وبدأتا بها، وما تزالان في موقع القيادة والتوجيه والسيطرة حتى الآن. بالمقابل نجد أن جماعات العشائر المسلحة كانت ما تزال في طور التكوين، ولم يُسمَع أنها استكملت بناء قوة عسكرية منظمة قادرة على المشاركة الفعالة في المعركة. أما الفصائل الإسلامية الأخرى فإنها لم تبرأ قَطّ من الضربات القاسية التي تلقتها من داعش والنظام الطائفي خلال السنوات العشر الماضية، وهي أضعف بكثير من أن تستطيع قيادة معركة على مستوى العراق كله كما يحصل الآن.

 

المعلومات السابقة تساعدنا على إدراك حقيقة في غاية الأهمية: إن الثوار في العراق اليوم فريقان مختلفان يخوضان معركتين مختلفتين: (1) تحالف داعش-البعث الذي بدأ المعركة في الموصل في الوقت الذي اختاره، والذي انسحبت أمام تقدمه السريع قواتُ المالكي (لسبب ما) وسلّمته المواقعَ العسكرية بلا قتال يُذكَر، والذي قرّر (لسبب ما) تركَ منطقة بغداد الكبرى التي يقيم فيها ثلاثة ملايين سنّي تحت الاحتلال الشيعي وتركَ محافظة ديالي ذات الأغلبية السنية والاتجاه نحو الغرب، إلى الحدود السورية. (2) الفصائل المستقلة وقوات العشائر التي تحارب بيأس للتقدم إلى بغداد وديالي منذ عدة أسابيع دون أن تنجح في تحقيق أي إنجاز جوهري يمكن مقارنته بالسيطرة الخاطفة لداعش على معظم محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار.

 

-2-

 

بدأت المعركة في العراق بعد شهرين من بداية هجوم داعش الجديد في الشرق السوري. خلال هذين الشهرين استطاعت داعش السيطرةَ على الجزء الأكبر من محافظة دير الزور وكرّست احتلالَها للرقة والقسم الجنوبي من محافطة الحسكة، فصار حوض الفرات كله تحت سيطرتها، من جرابلس إلى البوكمال. بعد ذلك انفجرت العمليات العسكرية في العراق وتساقطت المناطق السنّية في وسط العراق بأيدي الثوار بسرعة خيالية، وفيما كانت الأنظارُ تتجه إلى بغداد والفصائلُ الضعيفة المنهَكة تخوض معركتها اليائسة في ديالي وعلى أطراف الحزام السنّي المحيط ببغداد انعطفت داعش باتجاه الغرب، ولم تلبث أن سيطرت على عانة وراوة والحديثة والرطبة والقائم التي غادرتها قواتُ الجيش العراقي دون أن تطلق طلقة واحدة (كما حصل في أكثر المناطق التي سيطرت عليها داعش منذ بداية المعركة).

 

لقد اتصلت المناطقُ التي سيطرت عليها داعش شرقَ الحدود مع المناطق التي سيطرت عليها غربَها، وبذلك وُلدت أرضٌ جديدة متصلة عبر البلدين (سوريا والعراق) تخضع لتنظيم يعتبره العالم -نظرياً- إرهابياً ومهدّداً لأمن وسلامة الإقليم. وقد كان رد أميركا “الحاسم” على هذا التهديد الخطير هو إرسال ثلاثمئة خبير أميركي لمساندة حكومة الاحتلال المالكية في العراق، في حين أنها أجلبت بأساطيلها وجيوشها وأرسلت مئات الآلاف من الجنود عندما عبر صدام الحدودَ التي تفصل العراق عن الكويت قبل بضع سنوات. وعندما أعلن هذا التنظيم أنه أقام على تلك الأرض “دولة الخلافة” كان الرد الأميركي هادئاً جداً واقتصر على تأكيد أن هذا الإعلان “لا يعني شيئاً للناس في العراق وسوريا”.

 

عندما نتابع هذه الأحداث الكبيرة ونحاول فهمها فإن علينا أن نستحضر في الذهن قاعدة مهمة: إن تغيير الحدود بين الدول في العالم المعاصر ليس لعبة تلعبها الدول الصغيرة كما تشاء، ولقد دفع صدام حسين حياته ونظامه لأنه لم يستوعب هذه الحقيقة جيداً، وكذلك صنع هتلر من قبله. كما ينبغي علينا أن ندرك أن ما يجري الآن على الأرض من أحداث جسام هو أكبر بكثير من حجم القوى والدول المحلية والإقليمية، وأنه يبلغ من الخطر مبلغاً يحملنا على الظن بأن قوة وحيدة يمكن أن تكون مسؤولة عنه، وهي القوة الكبرى في العالم والتي تسيطر على منطقة الشرق الأوسط بأكملها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

-3-

 

نشرت جريدة نيويورك تايمز في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2013 مقالة عنوانها “الشرق الأوسط في خرائط جديدة”[1] ونشرت معها خريطة عنوانها “كيف يمكن لخمسة بلدان أن تصبح 14 بلداً”[2]. أثارت المقالة ضجة كبيرة في العالم العربي وتناقلها كثيرون، ولا بد أن ثلاثة أرباع قرّاء هذه المقالة قد اطّلعوا عليها أو سمعوا عنها، فماذا جاء فيها؟

 

تقول كاتبة المقالة، روبِن رايت: “إن سوريا -التي تمثل المركز الإستراتيجي للشرق الأوسط- قد تكون القادح الذي سيحرّك عملية إعادة رسم حدود بلدان المنطقة“، وتقول: “كلما طال أمد الحرب في سوريا سيتعاظم الخطر في المنطقة كلها ويهتز استقرارها، فإن حدوداً جديدة يمكن أن تُرسَم في ظلال اليأس والفوضى“. ثم تتوقع أن تنتهي سوريا إلى ثلاث دول، دولة علوية تمتد بشريط ضيق من دمشق إلى الساحل، مروراً بحمص وحماة، ودولة كردية في الشمال الشرقي تنضم لاحقاً إلى كردستان العراق، ودولة سنّية في الوسط تنضم إلى الدولة السنّية التي ستتكون في وسط العراق (اضغط هنا لمشاهدة الخريطة المقترحة).

 

قبل تلك المقالة بسبع سنوات نشر موقع “مجلة القوات المسلحة” (وهو موقع أميركي بحثي غير حكومي) في الأول من حزيران (يونيو) 2006 مقالة بعنوان “حدود الدم: الشرق الأوسط في صورة أفضل”، ونُشرت معها خريطة جديدة لبلدان المنطقة أثارت ضجة كبيرة وانتشرت في عشرات المواقع العربية، وأحسب أن غالبية قرّاء هذه المقالة قد اطلعوا عليها بالتأكيد، وهي تُظهر حدوداً جديدة للعراق وإيران وتركيا والأردن وبلدان الجزيرة العربية[3] (فضلاً اضغط الرابط لمشاهدة الخريطة).

 

أكثر الذين شاهدوا الخريطة لم يقرؤوا المقالة التي نُشرت معها، وقد كتبها الضابط الأميركي المتقاعد رالف بيترز (الذي سأتحدث عنه بعد قليل) وقال فيها: “إن الحدود الفاصلة بين البلدان لم تكن عادلة قط، ولعل أكثرها اعتباطيةً وتشوهاً في العالم كله هي حدود دول الشرق الأوسط التي تسبّبُ من المتاعب أكثرَ ممّا يمكن امتصاصه محلياً كما قال تشرشل ذات يوم. وفي غمرة كفاحنا لفهم الانهيار الشامل في المنطقة فإننا نتجاهل “التابو” (المحرَّم) الأساسي، وهو الحدود الجغرافية القبيحة التي يقدّسها الدبلوماسيون الغربيون. لن يجلب أيُّ تعديل للحدود السعادةَ لكل الأقليات في المنطقة، ولكن الحدود الجديدة التي تعرضها الخريطة المرفَقة بهذه المقالة تحاول تصحيح الأخطاء التي عانت بسببها أقلياتٌ عرقية ودينية من أمثال: الأكراد والبلوش والعرب الشيعة، ولكنها لا تقدم الحل الأمثل لأقليات أخرى من أمثال: النصارى العرب والبهائيين والإسماعيليين والنقشبنديين”.[4]

 

أرجو أن تلاحظوا كيف حشر السيد بيترز “النقشبندية” وسط الأقليات التي هضمَت التقسيماتُ السياسية القديمة حقوقَها! متى كانت النقشبندية أقليةً من الأقليات الدينية في الشرق الأوسط؟ ألا يثير ذكرها في هذا السياق الشكَّ في ضوء الصعود المفاجئ والتقدم السريع لجيش رجال الطريقة النقشبندية الذي يقوده نائب الرئيس العراقي السابق والأمين العام الجديد لحزب البعث العراقي، عزت الدوري؟ (أرجو ممن لم يقرأ المقالة السابقة في هذه السلسلة أن يقرأها الآن).

 

نعود إلى المقالة؛ يقول الكاتب: “مع ذلك، ورغم عدم تحقيق العدل الكامل من خلال إعادة رسم الحدود وفق الخريطة المقترَحة، فإننا لن نحصل على السلام في الشرق الأوسط إلا بمراجعة جذرية للحدود الجغرافية من النوع الذي اقترحناه. لقد ضيّعت الولايات المتحدة فرصة ذهبية بعد سقوط بغداد، فقد كان ينبغي تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات صغيرة على الفور. بعد التقسيم لن تجد الدويلة السنية الضعيفة في الوسط خياراً سوى الانضمام إلى الدولة السنية التي ستتبقى في سوريا بعد أن تنفصل عنها منطقةُ الساحل (التي يمكن أن تتحد مع لبنان لتكوين دولة ساحلية واحدة). إن الخريطة المقترحة تُظهر عدلاً أكثر مقارَنة بالأخطاء الكبيرة التي تظهر في الخريطة الحالية التي رسمها البريطانيون والفرنسيون في القرن الماضي، وإن تصحيح الحدود قد يبدو مستحيلاً الآن، ولكن مع مرور الوقت، ومع الدماء التي لا بُدّ أن تُسفَك، سوف تظهر إلى الوجود حدودٌ طبيعية جديدة على أساس روابط الدم والعقيدة“.[4]

 

-4-

 

لا نستطيع الجزم بأثر أمثال تلك المقالات والخرائط في السياسة الأميركية الخارجية لأنها لا تمثل رأياً رسمياً، وقد أخطأ كثيرون من الذين تناقلوا الخريطتين عندما نشروهما بعنوان “خطة أميركية لتقسيم المنطقة”، فليس ما ورد في أيّ من المقالتين سوى رأي أو توقّع (أو رغبة ورجاء أو تحفيز وإيحاء) لما يمكن أن تؤول إليه الأمور على الأرض من منظور كاتبها، وأمثالُ هذه المقالات (وما يشبهها من أبحاث ودراسات) يكون بعضُه ثمرةَ اطّلاع على ما يدور وراء الكواليس السياسية، وبعضه الآخر يُطرَح على شكل رؤى مُلهِمة للساسة وصانعي القرار.

 

نحن نعلم أن في الولايات المتحدة طبقةً عاليةً من المفكرين والأكاديميين والدارسين الإستراتيجيين الذين يساهمون في صناعة السياسة الأميريكية، كهنري كيسنجر وبريجنسكي اللذين ساهما في رسم معالم العصر الأميركي الجديد، وبرنارد لويس الذي كان له دور مباشر في صياغة السياسة الأميركية الشرق أوسطية من بعد الحرب العالمية الثانية، وليو شتراوس الذي يُعتبَر الأب الروحي للمحافظين الجدد أصحاب المشروع الأميركي الاستعماري الجديد، وصموئيل هنتنغتون الذي ساهم في تحويل العدو الإستراتيجي للغرب الرأسمالي المسيحي من المعسكر الشرقي الاشتراكي إلى العالم الإسلامي… لكن قائمة المؤثرين في مطابخ القرار الأميركي ليست حكراً على أولئك المشاهير بالتأكيد، فإن كثيراً من المفكرين والأكاديميين المستقلين وكثيراً من مراكز الدراسات وبيوت الخبرة (ثِنْك-تانكس) تساهم بشكل تراكمي في صياغة الرأي والقرار ضمن مؤسسات الحكم الأميركية المتعددة بمستوياتها المختلفة، أي أن الأمر ليس ببساطةِ أن يقترح أحدُ المفكرين المتعصبين أو العنصريين خطةً لضرب العالم الإسلامي فتتحرك جيوش وأساطيل أميركا في اليوم التالي لتنفيذ المؤامرة!

 

ما سبق استطراد (أرجو أن يكون مفيداً) وأعود إلى موضوعنا: من المناسب أن يتعرف قراء هذه المقالة على كاتبَي المقالتين (وراسمَي الخريطتين) اللتين أشرت إليهما آنفاً، ومن ثَمّ سوف يستطيع كل قارئ أن يقدّر بنفسه مدى خطر وتأثير هذا الكاتب في صياغة السياسة الأميركية الخارجية أو مدى تأثّره بها واطلاعه على أسرارها وخفاياها.

 

المقالة الأولى (التي نشرَتها جريدة نيويورك تايمز قبل تسعة أشهر) كتبتها روبِن رايت، وهي صحفيّة عاشت في المنطقة العربية لخمس عشرة سنة، لها دراسات ومقالات نشرتها في صحف أميركية متنوعة خلال ثلاثة عقود، كما نشرت قبل سنتين كتاباً عنوانه “الإسلاميون قادمون”. إنها أقل من أن يكون لها تأثير حقيقي في مطابخ صنع القرار، ولكن لا يُستبعَد أن تكون قد اطّلعت على شيء من خفايا السياسة الأميركية في المنطقة العربية بحكم عملها، لا سيما وأنها تخصصت في الفترة الأخيرة في تغطية موضوعات “السياسة الأميركية الخارجية” لجريدة الواشنطن بوست.

 

المقالة الثانية (التي نشرتها مجلة القوات المسلحة قبل ثماني سنوات) كتبها رالف بيترز، وهو ضابط أميركي متقاعد وباحث عسكري وإستراتيجي شهير ومن مؤيدي الحروب التوسعية الأميركية ومن أكبر مناصري الحرب على العراق، خدم عشر سنوات في الاستخبارات العسكرية وكان يشغل منصباً في مكتب نائب رئيس هيئة الأركان لشؤون الاستخبارات عندما تقاعد من الخدمة عام 1998، وقد نشر مئات المقالات في عشرات المجلات والصحف العسكرية والسياسية الكبرى في الولايات المتحدة، وله ثمانية كتب منشورة تعبر عن مذهبه العسكري الاستعماري، منها: “الحرب من أجل المستقبل: هل ستنتصر أميركا؟” و”المجد الجديد: توسيع السيادة الأميركية على العالم” و”حرب لا تنتهي”، وقد وسّع أفكارَ المقالة التي اقتطفنا منها الفقرات السابقة ونشرها في كتاب مستقل بعنوان “حروب الدم والعقيدة: النزاعات التي ستعيد تشكيل القرن الحادي والعشرين”، كما أن خريطته المقترَحة لإعادة تقسيم الشرق الأوسط تمثل العمود الفقري لكتابه الذي نشره عام 2006، “لا تتوقف أبداً عن القتال”.

 

رغم أن خريطة رالف بيترز لا تمثل التوجه الرسمي لوزارة الدفاع الأميركية إلا أنها استُعملت -مع خرائط أخرى مشابهة- في الأكاديمية الحربية الوطنية وفي دوائر التخطيط العسكرية الأميركية لعدة سنوات، كما أنها عُرضت في برنامج تدريبي عقدته كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو في روما في أيلول (سبتمبر) 2006، وكان ضمن المشاركين في البرنامج عدد من الضباط الأتراك الذين أظهروا استياء كبيراً بسبب تغيير حدود تركيا الدولية في الخريطة، مما دفع الحكومة التركية إلى التنديد العلني بها في مؤتمر صحفي عُقد في إسطنبول في الخامس عشر من الشهر، كما اتصل رئيس الأركان التركي، الجنرال بويو كانيت، برئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال بيتر بيس، واستنكر عرض الخريطة في برنامج الناتو، مما دفع البنتاغون إلى تطمين تركيا وتأكيد أن الخريطة لا تعكس السياسة الأميركية الرسمية في المنطقة.

 

-5-

 

لن نستطيع الجزم بأثر الخرائط والمقالات السابقة في السياسية الأميركية، لكننا نستطيع الحصول على الكثير من تتبّع ما يصدر عن الأشخاص الذين يمثّلون المؤسسةَ السياسية الرسمية، فماذا عن هؤلاء؟ لنعد قليلاً إلى الوراء.

 

خاضت الولايات المتحدة أكبرَ معاركها في القرن الجديد فخسرت آلاف المقاتلين وأنفقت آلاف الملايين من الدولارات لتثبيت أركان “الإمبراطورية الأميركية الثالثة” (وهو مصطلح خاص قد أشرحه في مقالة ما ذات يوم)، وكان الهدف الواضح هو “أرض النفط” التي بسطت سيطرتَها عليها بشكل كامل، ولا سيما من خلال الوجود العسكري المباشر في العراق. بعد ذلك سحبت أميركا قواتها من الأرض، ولكنها لم تسحب نفوذها وسيطرتها على العراق وعلى الإقليم، فبقيت اللاعبَ الرئيسي في هذه المنطقة المهمة من العالم إلى اليوم، ولا يبدو أنها مستعدة للتنازل عن هذا المكسب ولو اضطرت إلى الدخول في حرب أخرى، كما أن الدلائل التاريخية تشير إلى أن الإدارات الأميركية المتعاقبة لا يلغي بعضُها إنجازات بعض وإنما هو يبني عليه، وهكذا فإن إدارة أوباما الجديدة ما كان لها إلا أن تكمل المشوار الذي بدأته إدارة بوش قبلها بسنوات.

 

اعتمد جوزيف بايدن (الذي صار نائب الرئيس الأميركي الجديد) في حملته الانتخابية الفاشلة سنة 2007 على ترويج خطة تقسيم العراق إلى ثلاث دول، وقد دافع عن هذه الخطة وقدمها لمجلس الشيوخ حينما كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية فيه، وتكللت جهوده بمصادقة المجلس عليها في خريف عام 2007.

 

نشرت جريدة واشنطن بوست يوم 26/9/2007 مقالة عنوانها “مجلس الشيوخ يصادق على خطة لتقسيم العراق” جاء فيها: “قدم جوزيف بايدن، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، خطة لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق متساوية تقريباً، وقد اعتمدها المجلس بأغلبية 75 صوتاً ضد 23، وهي خطة غير ملزِمة، بمعنى أن الرئيس بوش ليس ملزَماً بتطبيقها، ولكنها تمثل مَعلماً بارزاً في الجدل المستمر بشأن المشكلة العراقية. وكما قال هاتشيسون، النائب الجمهوري عن تكساس: لا نستطيع أن نعطي ظهورنا للعراق، إن هذا سيجعل كل ما قدمناه من تضحيات بلا معنى، هذا الاقتراح -التقسيم- من شأنه أن يوفر حلاً مناسباً دون أن نعرض حياة جنودنا إلى الخطر“.[5]

 

كما نشر موقع “إمبراطورية النفط” (وهو موقع أميركي غير حكومي) في بداية عام 2009 -عقب فوز أباما بالرئاسة- مقالة عنوانها “تدمير العراق بين الشرطيّ الجيد والشرطي السيئ”، جاء فيها: “لقد كان هذا الموقع مَعنياً منذ عام 2003 بتأكيد أن جغرافية النفط في الشرق الأوسط هي محرك رئيسي للسياسة الأميركية، وإن اختيار جو بايدن نائباً للرئيس الأميركي يؤكد هذا الاستنتاج، لأن حملته الانتخابية الفاشلة عام 2007 كانت تقوم بشكل رئيسي على فكرة تقسيم العراق بحيث تصبح الولايات المتحدة في وضع أفضل للسيطرة على موارد النفط. ولكن إنجاز هذا الهدف يحتاج إلى رئيس أميركي أفضل سمعةً من بوش؛ لقد كان بوش هو شرطي الإمبراطورية السيّئ، فيما يحمل أوباما المؤهلات الكافية ليكون شرطيّها الجيد الذي سيقوم بتنفيذ خطة التقسيم”.[6]

 

-6-

 

حسناً، لقد طال الطريق كثيراً لأصل إلى الخلاصات والنتائج، فآثرت أن أتركها لمقالة مستقلة أنشرها غداً -إن شاء الله- لأنها لُبّ الموضوع وبيت القصيد، وحتى ذلك الحين أترككم مع بعض التمارين العقلية المفيدة التي سأطرحها في صيغة أسئلة تبحث عن أجوبة:

 

1- إذا كانت الولايات المتحدة قد أنفقت سنوات من التخطيط والعمل وبذلت المليارات من أجل تمكين مشروعها في العراق، فهل ستتخلى عنه في يوم وليلة وتتركه لدولة إسلامية أصولية ترفع شعار الخلافة وتنادي بفتح روما وغزو واشنطن؟

 

2- إذا كان مشروع داعش في سوريا والعراق مشروعاً إسلامياً مستقلاً فلماذا ساعده نظام المالكي بالانسحاب الغريب المريب وتسليم المناطق بلا قتال، ولماذا تواطأ معه نظام الأسد ضد الثوار، ولماذا طبقت أميركا على الفصائل المجاهدة التي بدأت بقتال داعش في سوريا مؤخراً حصاراً خانقاً ومنعت عنها كل أنواع الذخيرة والسلاح؟

 

3- إذا كانت داعش مشروعاً جهادياً حقيقياً فلماذا تركت مناطق الشيعة في العراق ومناطق النظام في سوريا وركّزت حروبها وسيطرتها على مناطق السنة في العراق والمناطق المحررة في الشام؟ ولماذا تجنبت الاقتراب من العاصمتين التاريخيتين لدولة الإسلام، بغداد ودمشق، وأسست عاصمتين جديدتين لدولتها المزعومة: الرقة والموصل؟

 

4- إذا كان مشروع داعش مشروعاً محلياً محدوداً فلماذا قابلته تركيا وإيران وبقية دول الإقليم بالسكوت والاستسلام رغم أنه يشكل في الظاهر خطراً عليها جميعاً، ولماذا لم تحاول أي دولة من دول الإقليم محاصرة هذا المشروع واتقاء شرّه وضرره عليها بأي طريقة؟

 

هل يمكن أن يكون جواب الأسئلة السابقة كلها: لأن القوة التي تدير معارك داعش في سوريا والعراق والتي رسمت لها مسارها وحدودها ليست قوة محلية ولا قوة إقليمية، لا هي قوة داعش الذاتية ولا أيّ من نظامَي المالكي أو الأسد ولا حتى إيران، وإنما هي الولايات المتحدة الأميركية، ولأن الهدف من حروب داعش ليس إنشاء دولة إسلامية ولا تحرير أراضي المسلمين من الاحتلال الإيراني المالكي الأسدي، وإنما هو إعادة تقسيم المنطقة إلى بلدان جديدة بما يوافق السياسة الاستعمارية الأميركية الجديدة؟

 

وإذا كان هذا صحيحاً فماذا ينبغي أن نفعل وماذا نستطيع أن نفعل؟ الجواب: إذا كان صحيحاً فينبغي أن نفعل الكثير، ونستطيع أن نفعل الكثير، والتفاصيل في الحلقة الآتية إن شاء الله.

__________________

(1)

http://www.nytimes.com/2013/09/29/opinion/sunday/imagining-a-remapped-middle-east.html?pagewanted=1&_r=1&

(2)

http://www.nytimes.com/interactive/2013/09/29/sunday-review/how-5-countries-could-become-14.html?smid=fb-share&_r=5&

(3)

http://www.oilempire.us/new-map.html

(4)

http://www.armedforcesjournal.com/blood-borders/

(5)

http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/09/26/AR2007092601506.html

(6)

http://www.oilempire.us/index.html

 

 

هذا المنشور نشر في داعشيات, رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (3)

  1. تنبيه: تعليق على سقوط الفرقة 17 بيد داعش | الزلزال السوري

  2. تنبيه: ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (في 125 تغريدة) | الزلزال السوري

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s