الامتحان التركي (مقتطفات من مقالة قديمة)

المحاولات الحثيثة لجرّ تركيا إلى الحرب لم تنقطع منذ ثلاث سنوات. لماذا؟ الجواب في مقالة “الامتحان التركي” التي نشرتها قبل سنتين. فيما يلي مقاطع منها، وهي منشورةٌ كاملةً في هذه المدونة على الرابط التالي:

 https://shamquake.wordpress.com/2012/10/07/1234/

_______________________

 

إن تركيا “تُدفَع” إلى الحرب دفعاً حثيثاً منذ شهور، وقد مرّت مناسبات عدة كان ينبغي أن تنفجر فيها الحرب فعلاً: تجاوزات على الحدود، واختطاف صحفيين أتراك، وضرب شاحنات تركية، وقصف مخيمات اللاجئين، وعمليات حزب العمال الكردستاني، وإسقاط الطيارة التركية في البحر، ثم هذا العدوان الأخير. كل واحدة من تلك الحوادث كانت شرارة كافية لإشعال الفتيل، ولكن الأتراك أصرّوا على عدم الرد. لماذا؟ هل لأنهم ضعفاء أو جبناء؟ لا يصحّ هذا الاحتمال، فالجيش التركي من أقوى الجيوش في العالم، وأي انتصار يحققه سيرفع شعبية أردوغان وحزبه إلى مستويات خيالية.

 

إذا لم يكونوا ضعفاء ولا جبناء، فهل يمكن أن يكونوا حكماء؟ لِمَ لا؟ ربما كان هذا هو الجواب الصحيح.

 

*   *   *

 

ربما شغلتنا ثورتنا عن ملاحظة ما يجري حولنا في المنطقة. إنني أحس أننا نعيش أياماً لها ما بعدها؛ أرى علامات تقول إن حلفاً سنّياً كبيراً يولد تحت أعيننا في هذه الساعات الحاسمة من عمر الزمن، حلفاً ستكون تركيا هي عموده الفقري بقوتها البشرية والاقتصادية والعسكرية العظيمة، وسوف يضم أكثر من مئة وستين مليون إنسان ويملك موارد اقتصادية تجعله القوةَ الاقتصادية الثانية عشرة في العالم. أرجو أنّ الأمة مقبلة على خير كبير، في العراق وفي بلاد الشام بشكل خاص وفي المنطقة كلها على العموم.

 

هل يمكن قطع الطريق على ذلك المشروع العظيم؟ نعم. كيف؟ بالحرب.

 

*   *   *

 

إن الحروب تدمر الدول المتحاربة وتستهلك قُواها ومواردها، وهي تسلية القوى العظمى التي تسيطر على العالم والوسيلةُ التي تتوسل بها إلى إضعاف الأمم الصغيرة واستنزافها. أميركا بارعة في هذه اللعبة، ويبدو أنها فُتنت بها بعدما شاهدت نتيجتها السحرية في الحربين العالميتين. غداةَ الحرب الأولى كانت دول أوربا تملك أكثر الدنيا، كل دولة منها تستعبد من البشر عشرة أضعاف سكانها أو عشرين، وتحتل من الأرض عشرين ضعف مساحتها أو ثلاثين أو خمسين، فلما اقتتلت دمّر بعضُها بعضاً وذهبت قوتها وفقدت كل ما تملك، ثم خرجت من تحت الأرض قوةٌ جديدة سيطرت على الأرض: الولايات المتحدة الأميركية.

 

في آخر السبعينيات كانت الجارتان اللدودتان، إيران والعراق، قوتين إقليميتين كبيرتين. بعد ثماني سنوات من الحرب عادت جيوش البلدين إلى الخطوط التي كانت عليها يوم بدأت الحرب. لقد أكلت الحرب قوة البلدين ومواردهما وأهلكت مليون نَفْس دون أية مكاسب حقيقية على الأرض.

 

هل يفكر أحدٌ في تفجير حرب إقليمية جديدة في المنطقة نفسها، تكون تركيا طرفاً فيها هذه المرة؟ يبدو أن هذه الفرضية قريبة جداً من الصواب.

 

*   *   *

 

ماذا لو تفجرت في المنطقة حرب إقليمية كانت تركيا أحدَ طرفيها وإيران وحلفاؤها الطرف الآخر؟ لا أحد يستطيع الجزم بالنتائج، ولكنّ مقارنة القُوى ترجّح ترجيحاً كبيراً أن تنتصر تركيا في الحرب، على أنه سيكون نصراً مكلفاً جداً. سوف تضعُف تركيا اقتصادياً وعسكرياً، وسوف تخسر الأمة قوة كبيرة، وسوف تفقد سوريا الدعمَ التركي الحالي (وهو دعم مستمر وكبير) لأن الحرب ستأكل موارد تركيا وطاقتها فتشغلها عن رعاية الثورة ودعمها.

 

لقد بلغ الاستهتار والإسفاف بإيران وحلفها الشرير أنهم ما عادوا يبالون بالكشف عن نياتهم وأعمالهم الدنيئة، ولعل السبب هو أنهم وصلوا إلى المرحلة التي يرمي فيها الخصم بآخر أوراقه حينما يعرف أنه على شفا الخسارة المحققة، فلن تسوء الأمور أكثر مما هي سيئة.

 

الطرف الآخر ما يزال متماسكاً ويرى أن أوراقه كلها ما تزال في يده، وهو لا يرى ما يدعوه إلى كشفها وحرق الخيارات والبدائل. لو كان هذا التصور (السيناريو) صحيحاً فإن التحالف السنّي الجديد لن يسمح بأن يُستدرَج إلى مواجهة قد تزيد خسائرُها على أرباحها. باختصار: ستحذر تركيا من الوقوع في فخ الاستنزاف الذي يبدو أن الطرف الآخر قد وقع فيه بالفعل، بل يبدو أنه بات غارقاً فيه إلى العنق.

_______________

 

تعقيب: تغير المشهد كثيراً خلال السنتين اللتين انقضتا منذ كتابة ونشر هذه المقالة، فتفكك التحالف السنّي الذي أشرت إليه بسبب الانقلاب العسكري في مصر والضغط السياسي على قطر، ولكن تركيا بقيت في موقعها نفسه، وهي ما تزال الركنَ الركين الذي تستند الثورة السورية عليه، وما تزال الرقمَ الصعب الذي يربك خطط أعداء الأمة الذين يحاولون “إعادة إنتاج المنطقة” ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد. اللهمّ احفظ تركيا واحمِ أردوغان وحكومته من كيد الكائدين.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على الامتحان التركي (مقتطفات من مقالة قديمة)

  1. يقول Nabil hawara.:

    الأخ الفاضل الأستاذ مجاهد
    كأن الله فتح على بصيرتك ، وكأنك أستاذ في العلوم السياسية ، ولا أخالك إلا أهلا لذلك ، زادك الله من فضله ، ونفعنا الله بك

  2. يقول Sami:

    قد يقول قائل: أليس الكفاح المسلح الذي تحولت إليه الثورة السورية هو شكل من أشكال الجر إلى حرب تضعف سوريا اقتصادياً وعسكرياً وبشرياً علاوة على أن احتمالات النصر فيها ضعيفة.

    • ربما كان هذا صحيحاً، ومن أجله تشبثت الثورة في أول الأمر بالسلمية وكان من شعاراتها المبكرة “لا للسلاح”، لكن النظام سدّ الطرق وحصر الثوار في الزاوية الصعبة، فصاروا أمام اختيار مصيري: العسكرة أو الفناء. لقد كان هذا الطريق هو أقل الطرق مرارة ولم يكن اختياراً حراً على الإطلاق.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s