فلنشكر الله (1 من 2)

فلنشكر الله

(1 من 2)

مجاهد ديرانية

 

فيما أنت تقود سيارتك في الشارع العام المزدحم رأيت سيارة تتأهب للخروج من شارع فرعي، لكن سَيْلَ السيارات الذي لا ينقطع يمنعها من التحرك، فما كان منك إلا أن وقفتَ سيارتَك وأشرت لسائق السيارة بالمرور، فانطلق بسيارته غيرَ مبدٍ أيّ إحساس بصنيعك ولم تظهر عليه أي إشارة تدل على الشكر والتقدير.

 

حين أردت إخراج زكاة مالك بحثت وتحريت حتى اهتديت إلى أهل بيت فقراء محتاجين، فانطلقت إلى حيث يسكنون فدفعت إلى رب البيت مالاً ومتاعاً، فأخذه منك وهو يقول: أنت قمت بما هو واجب عليك، فما لك علينا من شيء تمنّ به، وإنْ هو إلا حق لنا وضعه الله في المال الذي آتاك.

 

اعتدت -بين حين وحين- أن تحمل إلى أولادك شيئاً من أطايب الطعام والحلوى التي يحبون، ولكن أياً منهم لم يشكرك في يوم قط أو يُشعرك بالامتنان.

 

حينما نتأمل المشاهد السابقة نحسّ أن فيها شيئاً غريباً أو ناقصاً. ما هو؟ إن الناس مفطورون على حبّ الشكر وينتظرون التقدير لما يقدمون، حتى لو كان ما يقدمونه شيئاً زهيداً، كأن يأذن سائق سيارة لآخر بحرية المرور، فترى السائق الآخر -عندئذ- يرفع يده ملوّحاً بها دلالة على الشكر والتقدير. وحتى لو كان ما يقدمون واجباً عليهم شرعاً (كالزكاة) أو قانوناً (كالوظيفة)، أو كان التقديم لبعض المقرَّبين، كالزوجة والأولاد.

 

وليس هذا أمراً يحبه الناس فحسب، بل إنه مما يأمر به الشرع ويحضّ عليه أيضاً. انظروا إلى هذه الأحاديث:

 

عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: “من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله”، وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: “لا يشكر الله من لا يشكر الناس”، وعن الأشعث بن قيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أشكر الناس لله أشكرُهم للناس”، وفي حديث جابر: “من أُعطي عطاء فوجد فليجزِ به (أي إن استطاع أن يرد العطاء بعطاء مثله فليفعل) ومن لم يجد فليُثنِ (أي على المعطي)، فإن مَن أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر”. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم “من كتم فقد كفر” أنه كفر تلك النعمة. وفي حديث أسامة بن زيد: “من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء”.

 

*   *   *

 

فإذا كان المرء مطالَباً بشكر نعمةٍ مُفرَدة محدودة أنعمها عليه عبدٌ مثلُه فكيف بوليّ كل النِّعَم، وكيف بالذي يغمرنا فضلُه وكرمه ونعجز عن إحصاء نِعَمه: {وإن تَعُدّوا نعمة الله لا تُحصوها}، {وما بكم من نعمة فمن الله}؟ ألا ينبغي علينا أن نشكر المُنعم على نِعَمه؟

 

قد يقول قائل أن هذا السلوك غالبٌ وأن الناس يشكرون الله على نِعَمه، ولكنّ الحقيقةَ غيرُ ذلك. اسمعوا شهادة الخالق على الناس في كتابه الكريم:

 

{إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (البقرة 243)، {إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون} (يونس: 60)، {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (يوسف: 38)، {وإن ربك لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون} (النمل 73)، {إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (غافر: 61)، {اعملوا آل داود شكراً، وقليلٌ من عبادي الشكور} (سبأ: 13)، {وجعلنا لكم فيها معايش، قليلاً ما تشكرون} (الأعراف: 10)، {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون} (المؤمنون: 78)، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون} (السجدة: 9)، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون} (الملك: 23).

 

هذه شهادة الله -جَلّ وتبارك- على بني آدم، فهل بعد هذه الشهادة من شك؟ ولكن من أين جاء هذا النُّكران وكيف تسلل خُلُق الجحود إلى الإنسان؟

 

إنه صنع إبليس الذي أعلن الحرب على آدم وذريته يوم فضله الله في الخلق عليه. اسمعوا القصة: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال: ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه؛ خلقتني من نار وخلقته من طين. قال: فاهبط منها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج؛ إنك من الصاغرين. قال: أَنظرني إلى يوم يبعثون. قال: إنك من المنظَرين. قال: فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين}.

 

*   *   *

 

ذلك كان العهد الذي قطعه أبليس على نفسه: أن يصرف الناس عن شكر الله. وقد أجابه ربنا تبارك وتعالى إلى ما طلب لحكمة يعلمها: {قال: إنك من المنظَرين}، {قال: فإنك من المنظَرين، إلى يوم الوقت المعلوم} ولكنه عقّب قائلاً: {قال: هذا صراطٌ عليّ مستقيم. إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتّبعَك من الغاوين. وإن جهنم لموعدهم أجمعين}، {قال فالحقُّ، والحقَّ أقول: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.

 

ثم توجه الله عز وجلّ إلى بني آدم يذكّرهم بفضله عليهم ويعدد نعمه التي آتاهم ويحضّهم على ذكره وشكره:

 

{فاذكروني أذكركم، واشكروا لي، ولا تكفرون} (البقرة 152)، {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} (البقرة: 172)، {فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً، واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} (النحل: 114)، {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له} (العنكبوت: 17)، {كلوا من رزق ربكم واشكروا له} (سبأ: 15)، {ولتكبّروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون} (البقرة: 185)، {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (المائدة: 6)، {كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تشكرون} (المائدة: 89)، {فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} (الأنفال 26)، {وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (النحل: 14)، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} (النحل: 78)، {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} (الحج: 36)، {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (القصص: 73)، {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (الروم: 46)، {وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (فاطر: 12)، {لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (الجاثية: 12)، {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون؟} (يس: 35)، {ولهم فيها منافع ومشارب، أفلا يشكرون؟} (يس: 73)، {لو نشاء جعلناه أجاجاً، فلولا تشكرون؟} (الواقعة: 70)، {فهل أنتم شاكرون؟} (الأنبياء: 80).

 

من أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله -في دعائه- أن يعينه على شكره، وكان يعلّم أصحابه أن يطلبوا من الله العونَ على الشكر:

 

عن شداد بن أوس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم  يعلمنا أن نقول: “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك” (رواه الترمذي -واللفظ له- والنسائي وأحمد). وعن أبي هريرة قال: دعاء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا أدعه: “اللهم اجعلني أعظّم شكرك، وأكثر ذكرك، وأتّبع نصيحتك، وأحفظ وصيّتك” (رواه الترمذي وأحمد). وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: “أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللهم أعنّا على شكرك وذكرك وحسن عبادتك” (رواه أحمد). وعن معاذ بن جبل قال: “أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: إني لأحبك يا معاذ. فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تدَعْ أن تقول في كل صلاة (وفي رواية: في دبر كل صلاة): ربِّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.

 

*   *   *

 

إن الله يحب أن يُشكَر في الدنيا ويحب أن يُشكَر في الآخرة. في حديث طويل عن أُبي ابن كعب في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} قال: “ورفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ، لولا سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أُشكَر“. ذلك في الدنيا، وأما في الآخرة فانظروا إلى ما يرويه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: “لا يدخل أحدٌ الجنة إلا أُريَ مقعده من النار -لو أساء- ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحد إلا أُريَ مقعده من الجنة -لو أحسن- ليكون عليه حسرة”.

 

وقد جعل الله عزّ وجل شكرَ الخَلق له بمقام عبادتهم إياه وعلّق فعل العبادة منهم بفعل الشكر. هذا هو المعنى الذي يدركه من تأمل قوله تعالى: {واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون}؛ فإنّ “إنْ” أداة شرط وُضعت -كما يقول النحاة- “لتعليق الجواب على الشرط تعليقاً مجرداً يُراد منه الدلالة على وقوع الجواب وتحققه، بوقوع الشرط وتحققه، من غير دلالة على زمان أو مكان”. فعلمنا أن العبادة الحقّة مرهونة بشكر نعمة الله ومتعلقة به تعلق الجواب بشرطه.

 

ولكن: كيف يكون الشكر؟ هذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s