فلنشكر الله (2 من 2)

فلنشكر الله

(2 من 2)

مجاهد ديرانية

 

رأينا في الحلقة الماضية كيف أخذ إبليس على نفسه العهد بأن يصرف آدم وذريته عن شكر الله فقال: {لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين}. ثم رأينا كيف تواترت في القرآن الآيات التي تحثّنا على الشكر، وتوقفنا -أخيراً- عند هذا السؤال: كيف نشكر الله؟ والجواب فيما يأتي:

 

-1-

 

أدنى درجات الشكر الحمدُ باللسان. أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها”. وأخرج أبو داود عن عبد الله بن غنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قال حين يصبح: “اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر” فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته”.

 

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أنعم الله على عبد نعمة فقال “الحمد لله” إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ”، وكذلك رُوي عن الحسن أنه قال: “ما من نعمة إلا و”الحمد لله” أفضل منها”. وفي حديث مسلم: “والحمد لله تملأ الميزان”. وفي حديث طويل يرويه أبو هريرة: “إذا قال العبد “لا إله إلا الله له المُلك وله الحمد” قال الله عز وجل: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد”.

 

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: “الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن الله قال لنوح عليه السلام: {فقل الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين}، وقال إبراهيم عليه السلام: {الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق}، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً}، وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزَن}، {وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين}، فهي كلمة كل شاكر”.

 

على أنّ شكرَ الله الحق هو ما كان شكراً بالقلب بكل الرضا والاطمئنان، فلا قيمةَ لشكر باللسان لا يصدّقه الجَنان. عن ثوبان قال: لما نزلت {والذين يكنزون الذهب والفضة} قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض أصحابه: أُنزِل في الذهب والفضة ما أُنزل، لو علمنا أي المال خيرٌ فنتخذَه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر“. فهل رأيتم كيف جعل محلَّ الشكر القلبَ كما جعل محلَّ الذكر اللسانَ؟

 

-2-

 

 

من مقتضيات شكر النعمة إظهارُها والتحدث بها وإعلان الامتنان لمَن مَنّ بها. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله جميل يحب الجمال، يحب إذا أنعم على عبدٍ نعمةً أن يرى أثر النعمة عليه، ويبغض البؤس والتباؤس”. وعن مالك بن نضلة قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فرآني رَثّ الثياب فقال: ألكَ مال؟ قلت: نعم يا رسول الله، من كل المال قد أعطاني الله، من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: “إذا آتاك الله مالاً فلْيُرَ عليك أثرُ نعمة الله وكرامته، فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثره على عبده حسناً ولا يحب البؤس والتباؤس”.

 

وفي “مختصر منهاج القاصدين” لابن قدامة: “رُوي أن رجلين من الأنصار التقيا فقال أحدهما لصاحبه: كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “قولوا هكذا”. وأن رجلاً سلّم على عمر بن الخطاب، فردّ عليه، ثم قال له عمر: كيف أصبحت؟ قال: أحمد الله. قال: ذاك الذي أردت”. قال ابن قدامة: “وقد كان السلف يتساءلون ومرادهم استخراج الشكر لله“.

 

ولعل خلاصة المسألة في قوله تبارك وتعالى: {وأمّا بنعمة ربّك فحدث}. وقد اختلف أهل العلم في المخاطَب والخطاب، فقال بعضهم إن الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن النعمة هي الرسالة والتحدث بها تبليغُها، وذهب آخرون إلى أن الآية عامّةٌ في كل مسلم، وأن الإطلاق يقتضي شمول كل نعمة أنعم الله بها على الناس، وأن التحدث بالنعمة هو إظهارها وشكرها. وهذا هو الأظهر، واختاره الطبري والقرطبي، وقال القاضي عياض في الشفاء: “هذا الخطاب خاص للنبيّ عام لأمّته”. وهو ما تدل عليه النصوص، كما في حديث النعمان بن بشير الذي مرّ بنا في الحلقة الماضية: “التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر”، ومنه قول بعض السلف: من كتم النعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها.

 

-3-

 

من موجبات الشكر لله أن يكون العبد قانعاً بما آتاه الله وما قسمه له من رزق، فلا يتطلع إلى مَن فُضّل عليه بل يرضى بقَسْمه وحظّه من الدنيا، فإذا فعل وحمد المعطي الوهّاب فهو من الشاكرين.

 

أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله شاكراً صابراً. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته، لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً”. وقريب من هذا المعنى ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنِعاً تكن أشكرَ الناس“.

 

وهذا المعنى في الشكر ليس بغريب؛ أرأيت لو كنت صاحب عمل وعندك العدد من الموظفين، فصرفت لهم المكافآت -زيادةً على رواتبهم ومستحقاتهم- تفضّلاً منك عليهم ومحبة بهم، وكان في المكافآت تفاوتٌ قرّرتَه لأمرٍ في نفسك أو لسبب تعرفه، كتفاوتهم في الكفاءة أو الانضباط أو لغير ذلك من الأسباب، فذهب الذين نالوا أقلّ من سواهم فسخطوا وغضبوا واستنكفوا أن يشكروك. ألن تشعر بالمرارة والألم إذا تفضلت وأنفقت ما ليس بواجب عليك ثم لم تلقَ جزاء ولا شكوراً؟ ولله المثل الأعلى.

 

وإنا لنرى هذا المعنى جليّاً في حديث أُبيّ بن كعب (الذي مَرّ بنا في الحلقة الماضية) في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} قال: “ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغني والفقير وحَسَن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ، لولا سوّيتَ بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أُشكَر“. فرأينا أن التفاوت بين الخلق ينبغي أن يكون سبباً في شكر الخالق، ولا يخلو مجتمع بشري من تفاوت، ففوق كل غنيٍّ غنيٌّ وتحت كل فقيرٍ فقيرٌ.

 

-4-

 

ومن أجلّ معاني الشكر لله أن لا يصرف المرء ما رزقه الله من صحة أو قوة أو مال أو نفوذ وسلطان في معصيته، وأن يستفيد من تلك النعَم العظيمة على الوجه الذي يرضى عنه الله الذي أنعم بها عليه لا على الوجه الذي يستجلب غضبه وسخطه.

 

سئل بعض الصالحين عن الشكر لله فقال: “ألاّ تتقوى بنعمه على معاصيه“. قال القرطبي: “فحقيقة الشكر الاعترافُ بالنعمة للمنعم وألاّ يصرفها في غير طاعته”، وقال في تفسير قوله تعالى {الحمد لله ربّ العالمين}: “هو على ثلاثة أوجه، أولها: إذا أعطاك الله شيئاً تعرف من أعطاك، والثاني: أن ترضى بما أعطاك، والثالث: ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه.”

 

وإن من أعظم ما يُشكر به الله جلّ وتبارك الإقبال على العمل الذي يرضيه والاجتهاد في طاعته وعبادته.

 

انظروا إلى دعوة سليمان عليه السلام حيث قرن شكر النعمة بالعمل الصالح: {فتبسّم ضاحكاً من قولها وقال: ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه}. وقال تعالى مخاطباً داود وسليمان عليهم الاسلام: {اعملوا آل داود شكراً}. قال القاسمي في التفسير: “أي قيل لهم: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف، كما أن فيه معنى وجوب الشكر، وأنه يكون بالعمل ولا يختص باللسان، لأن حقيقته صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خُلق لأجله”.

 

وهذا أمر أدركه النبي صلى الله عليه وسلم فكان أكثر الناس عبادة؛ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟” (أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وفي لفظ للبخاري عن المغيرة بن شعبة: لَيقوم يصلي حتى تَرِمَ قدماه أو ساقاه، وفي رواية لمسلم عنه: حتى انتفخت قدماه).

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم -وهو أفقه أمته وأعلمهم بما يرضي الله- فَهِمَ الشكر عبادةً وعملاً واجتهاداً ولم يفهمه لفظاً باللسان فحسب كما قد يتوهم بعض الناس.

 

-5-

 

ثم إن للشكر فوائد يحصيها الشاكرون:

 

فالشاكر ينفع -أولَ ما ينفع- نفسه: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه}. فبِهِ يدوم إنعام المنعم، لذلك قيل: “بالشكر تدوم النعم”، وفي الآية: {وإذ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنّكم}. قال القرطبي: “قيل: هو من قول موسى لقومه، وقيل: هو من قول الله، أي: واذكر -يا محمد- إذ قال ربك كذا. وقوله: لئن شكرتم لأزيدنكم، أي: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي“.

 

والشكر لا يتسبب في دوام النعم فحسب، بل هو -أيضاً- يصرف سخط الله وغضبه عن العبد الشاكر وينجّيه من عقاب الله وعذابه في الدنيا: {كذبت قوم لوط بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوطٍ نجيناهم بسَحَر. نعمة من عندنا، كذلك نجزي من شكر}.

 

وبالشكر تكثر الحسنات ويرتقي العبد في ميزان الله، لأن الشكر الحق بمنزلة العبادة الرفيعة، وهو أمر يعطي عليه الله تبارك وتعالى من الأجر ما يعطي على الاجتهاد في الطاعات؛ قال تعالى: {وسيجزي الله الشاكرين}، وقال: {وسنجزي الشاكرين}، وقال مخاطباً عباده: {وإن تشكروا يرضَهُ لكم}. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر”. وعن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له”.

 

*   *   *

 

وبعد، فهذا هو الشكر الذي أراده الله من عباده ورضيه لهم، والذي آلى إبليسُ على نفسه أن يصرفهم عنه ويصدّهم عن سبيله. فهل أنتم شاكرون؟

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s