بين الاعتدال والإسراف

بين الاعتدال والإسراف

مجاهد ديرانية 

 

متى يكون المنفق معتدلاً ومتى يكون مسرفاً؟ هل يوجد تعريف واضح للإسراف؟ وكيف نأمن من الوقوع فيه دون أن نشعر؟ سألني هذه الأسئلةَ (وأمثالَها) عددٌ من القراء الكرام والقارئات الكريمات بعد قراءة مقالة “لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء”، وجوابُها كلها في قوله تبارك وتعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يَقتروا وكان بين ذلك قَواماً}.

 

قال أكثر المفسرين في هذه الآية إن الإسراف هو “تجاوز الحد”. وبقي أن نعرف: ما هو الحد الذي ينبغي علينا عدم تجاوزه حتى لا نكون مسرفين؟

 

إن الفضائل تشبه الطريق العام الذي تمشي فيه السيارات وعلى كل طرف من طرفَيه خط أصفر. هذا الخط هو حَدّ الطريق، مَن تجاوزه تجاوز القانون ووقع في المحذور. فالطريق المحصور بين الخطين الأصفرين هو الفضيلة، وما تجاوزها من هذا الطرف أو ذاك هو نقيضها من النقائص المذمومة. كالشجاعة، فإنها وسط بين الجبن والتهور، والحزم، فإنه وسط بين الضعف والقسوة، وكذا في الفضائل كلها.

 

ومن أهم صفات الطريق الجيّد أن يكون واسعاً وأن تتعدد مساراته (مساربه)، فاليمين لمن أراد التأني، واليسار لمن أراد الاستعجال، والوسط لمن يحب التوسط. لذلك لا يمكن أن يُحدَّد الإنفاق المعتدل المقبول بمبلغ واحد لكل الناس، فإنّ فيهم مَن يدخل عليه في الشهر ألفٌ ومن يدخل عليه عشرات ألوف، وإنّ من سنن الخلق التفاوتَ في الأرزاق: {والله فضّلَ بعضكم على بعض في الرزق} {ورفعنا بعضَهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضُهم بعضاً سُخريّاً}.

 

*   *   *

 

لو طبّقنا هذا المبدأ النظري على أوجه الإنفاق في الحياة فسوف نهتدي إلى ما هو عَدْل قَوامٌ وما هو إسراف. خذوا الألبسة التي نشتريها على سبيل المثال: بكم تشتري السيدةُ ثوباً أنيقاً يصلح للبيت والزيارات غير الرسمية؟ بمئة ريال أو مئتين أو أكثر قليلاً (أستعمل الريال انسجاماً مع البيئة التي أعيش فيها، ويمكن للقراء الكرام في البلدان المختلفة تصوّر المسألة بعملات البلدان التي يقيمون فيها).

 

هذا المبلغ معتدل ومعقول بالنسبة لما يوجد في السوق من بضائع جيدة، ولكن يمكن أن تكون السيدة مقتصدة وتشتري ثوباً بخمسين. هذا الثوب رخيص وقد لا يكون جيداً، ولو أن السيدة قررت عدم شرائه فإنها لا تُلام لأنه قد يَفسد بسرعة، فهو توفير مؤقت، لكنه قد لا يكون قراراً اقتصادياً صحيحاً لأنها ستضطر إلى شراء ثوب غيره بعد وقت قصير. في مثل هذه الحالة أميل أنا إلى استعمال قاعدة جدّي رحمه الله التي علّمنا إياها وكان حريصاً على تطبيقها في حياته: “اشترِ أرخص الجيّد ولا تشترِ أجودَ الرخيص”.

 

من الجهة الأخرى ستجد السيدة أثواباً أغلى. ربما وجدت ثوباً بخمسمئة ريال، أو بألف أو ألفين أو ثلاثة، بل ربما وجدت ثوباً بعشرة آلاف ريال. عندما تشتري شيئاً يزيد سعره عن “الوسط المعقول” نقول إنها أسرفت في الشراء، ولكنْ ليست كل درجات الإسراف سواء، فهي “تميل إلى الإسراف” إذا اشترت الثوب بثلاثمئة أو بخمسمئة، وهي “مسرفة” إذا اشترته بما يزيد عن ذلك إلى ألف، و”مسرفة جداً” إذا بلغت الألفين والثلاثة الآلاف، ويصل الإسراف إلى درجة “الترَف” الخطير إذا دفعت في ثوب واحد عشرةَ آلاف!

 

ما سبق مثال على الاعتدال والإسراف في اللباس، ويُقال مثله في بناء البيت وأثاثه وفي السيارات والطعام والسفر والأعراس، وفي سائر أوجه الإنفاق في الحياة.

 

*   *   *

 

وليس الإسراف في شراء السلعة الغالية فحسب، بل هو في كثرة الشراء بإطلاق، فمَن اشترى ما يحتاج إليه حاجة حقيقية فليس مسرفاً ولو غلا ثمنُ ما يشتريه (إذا لم يجد شيئاً أرخص يقوم مقامه)، ولو اشترى ما لا يحتاج إليه فهو مسرف مهما كانت قيمة ما يشتريه زهيدة.

 

العبرة في مقدار ما يستفيد من المال هو نفسُه ومقدار ما يستفيد منه غيرُه، وأرجو أنه لا إثمَ على مَن نعّمَ نفسَه بماله ونفع به الناس. فلو أن أسرة من الأسَر كان من منهجها أن تملأ مائدة طعامها بكمية يكفيها عُشرها، لكنها إذا طَعِمت منحت الأعشارَ التسعة الباقية للمساكين، فهي أسرة محسنة، ولو أن أسرةً تضع على مائدة طعامها ضعفَي حاجتها فقط، فتأكل نصفاً وترمي في حاوية القُمامة نصفاً، فهي مسيئة مسرفة.

 

يمكننا إذن أن نقرر هذه القاعدة: “إن كل مال ينفع الناسَ فهو خيرٌ لصاحبه”. لكنه نفع مقيَّد بحاجة الناس وبعدم الوقوع في الإسراف المنهي عنه، وهذا قيد مهم، وأضرب له مثلاً برجل غني يشتري في كل شهر خمسة قمصان ويتبرع للمساكين والفقراء بخمسة من مخزونه القديم. هذا الرجل مُحسن إذا اشترى قمصاناً معتدلة الأسعار ولم يسرف، ولا يستوي هو ومَن يشتري قميصاً بألف وألفين ثم يمنحه -بعد استعماله لبعض الوقت- لمسكين من المساكين، فما حاجةُ الفقير المسكين لقميص بألف ريال؟ ألا ترون الفرق الكبير بينه وبين مَن يتبرع بعشرة قمصان مجموعُ قيمتها ألفٌ على عشرة من الفقراء؟

 

*   *   *

 

هذا مع ملاحظة الفرق بين السرف والترف. إن الحادثة (الحقيقية) التي افتتحت بها مقالتي الماضية (لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء) ليست علامة على السرف، بل هي علامة على الترف، فعندما تنفق أسرةٌ من الأسر السورية مئةَ ألف دولار في ليلة واحدة، بل في حفلة عرس تستغرق بضع ساعات فحسب، عندما تفعل ذلك وفي سوريا ملايين الجياع الذين لا يجد أحدُهم في يومه كله ربعَ رغيف من الخبز اليابس، وفيها ملايين الأطفال الذين يرتعشون لأن آباءهم لا يجدون قطعة من قماش قديم يلفّونهم بها ليدفعوا عنهم برد الشتاء، وفيها ملايين المرضى الذين يتفاقم مرضهم لأنهم عاجزون عن تأمين ثمن الدواء، عندها لا نقول إن هذا العمل سَرَف جاوز حد الإنفاق المعقول، بل هو ترف جاوز حد الإنسانية والفطرة السويّة.

 

إن التجاوز القليل لحدود الإنفاق المعقولة يُسمَّى سرَفاً، فإذا زاد صار سرفاً كبيراً، وكلما زاد الإسراف زاد الحساب عليه في الآخرة، فإذا بلغ الغايةَ (ولا سيما إذا صاحبَه إنفاقٌ في أمور محرَّمة) صار تَرَفاً مدمّراً للجماعة كلها كما أوضحَتْ خاتمةُ المقالة السابقة، وعندها لا يجوز السكوت، بل لا بد من النصح والتصحيح حتى لا تغرق السفينة بركابها أجمعين.

 

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s