فوائد لغوية (2)

سُررت بالتفاعل الإيجابي مع الحلقة الأولى من هذه الفوائد التي نشرتها أمس، فلم أظنّ أن مثل هذه المنشورات تثير اهتمام الناس. وقد دار حولها نقاش مفيد* خطر ببالي أن أُفرده في منشور مستقل لتعمّ به الفائدة، وها هو على صورة سؤال وجواب.

* النقاش جرى على صفحتي في الفيسبوك وليس هنا في المدونة، على هذا الرابط

 

(س) ما الفرق بين قولنا “إنّي” و”إنني”؟ وهل يوجد كتاب يتناول مثل هذه الأمور تنصح به؟

 

(ج) النون الثانية في “إنني” هي نون الوقاية، وكلنا نعرفها ممّا درسناه في المدرسة من دروس النحو. وهي واجبة أحياناً وراجحة أحياناً وجائزة أحياناً (على تفصيل لن أسرده هنا). ما يهمّنا هو استعمالها مع إن وأخواتها (إنّ، أنّ، لكنّ، كأنّ) وهنا حكمها الجواز، أي أن إثباتها وحذفها سواء، فلا فرق بين قولنا: إنّي وإنّنَي، وأنّي وأنّنَي، وكأنّي وكأنّنَي، ولكنّي ولكنّنَي. وقد اجتمع الوجهان في قول قيس بن الملوح:

 

وإنّي على ليلى لَزارٍ وإنّني     ***     على ذاك فيما بيننا مستديمُها

 

(الزّاري هو العاتب، والفعل زَرَى يَزْري)

 

فائدة: يجوز حذف إحدى النونين (نون الرفع أو نون الوقاية) إذا اجتمعتا في أحد الأفعال الخمسة المرفوعة بثبوت النون، فتقول: المجاهدون يحمونَني بأرواحهم أو الثوار يحموني، والمسلمان المحسنان يساعدانِنَي في محنتني أو يساعداني.

 

جواب القسم الثاني من السؤال: تجد تفصيل هذه المسائل وأمثالها في كتب النحو الموسَّعة، وإن شئتَ اجتناب المراجع القديمة لصعوبتها فإن أفضل المراجع الموسّعة العصرية هو كتاب “النحو الوافي” (وله من اسمه نصيب) لعباس حسن رحمه الله.

 

(س) جواز حذف إحدى النونين (نون الرفع أو نون الوقاية) إذا اجتمعتا فائدةٌ جديدة.

 

(ج) انظر المسألة في “النحو الوافي” (1/180) وفيها جواز إدغام النونين أيضاً، فتقول: الأصدقاء يكرمونني، أو يكرموني (بالتخفيف) أو يكرمونّي (بالتشديد). قلت: ومنه في القرآن: {قل أفغيرَ الله تأمرونّي أعبد}. وقد تتعدد القراءة بالإدغام وبعدمه، كما في الأحقاف: {أتعدانِني} قرأ هشام بالإدغام: {أتعدانّي}.

 

(س) أنا أعرف حذف النون في المنصوب والمجزوم، لم أسمع به قبلاً في المرفوع.

 

(ج) صحيح؛ نون الأفعال الخمسة تُحذَف وجوباً في النصب والجزم، ولكنها قد تُحذَف وجوباً أو جوازاً في الرفع أيضاً، على التفصيل التالي:

 

1- تُحذَف “وجوباً” إذا اتصل الفعل بنون التوكيد الثقيلة، كقوله تعالى في آخر سورة “ص”: {ولتعلَمُنَّ نبأه بعد حين}. الفعل هنا مرفوع ولكن نون رفعه حُذفت لتوالي الأمثال، وحذفت أيضاً الواو لالتقاء الساكنين. وتوالي الأمثال معناه توالي أحرف متماثلة، وهي هنا ثلاثُ نونات، ونقول عند الإعراب إن الفعل مرفوع بالنون المقدرة.

 

2- وتُحذَف “جوازاً” في الحالة التي وصفناها آنفاً (إذا اتصل الفعل بنون الوقاية). وفي هذه الحالة يوجد جدل بين النحاة (وهو في الحقيقة جدل فلسفي لا يقدّم ولا يؤخر ولا يؤثر في الرسم والنطق): أيّ النونين هي المحذوفة: نون الوقاية أم نون الرفع؟ الأول هو رأي سيبويه ومعه جماعة من النحاة، وآخرون اختاروا الرأي الثاني. ويبدو أن الرأي الأول أوجه، قالوا: لأن نون الوقاية جاءت لغرض خاص وحذفها يضيع ذلك الغرض.

هذا المنشور نشر في فوائد لغوية. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s