فوائد لغوية (5)

(1) هل نقول: “شارك في تحرير الحامدية ووادي الضيف مئاتٌ من المجاهدين، بعضُهم استُشهد رحمه الله”، أم نقول: “بعضُهم استُشهدوا رحمهم الله”؟

 

لحسن الحظ يخبرنا النحاة أن كلا الوجهين صحيح (أو صحيحان، على ما سيأتي بعد قليل). الإفرادُ مراعاةً للّفظ، أي لكلمة “بعض” المفردة، والجمع مراعاةً لمعنى الجماعة في كلمة المجاهدين. وإنما قلت “مراعاة للمعنى” -رغم أن اللفظ هنا جمع مذكر سالم- لأن بعض الألفاظ تفيد الجمع وهي مفردة، ككلمة “الناس” التي هي اسم جمع، فنقول: “بعضُ الناس يستطيل طريقَ الحرية ويستثقل التضحيات التي تقدَّم فيه”، أو نقول: “بعض الناس يستطيلون الطريقَ ويستثقلون التضحيات” (وأرجو أنهم قليلون إن شاء الله).

 

فائدة: اسم الجمع مُفرَدُ اللفظ مجموعُ المعنى وليس له واحدٌ من لفظه، كقوم ورهط وبشَر وإبل، وهو لغير الآدميين مؤنث مطلقاً، فتقول: لمَن هذه الإبل وهذه الغنم؟

 

(2) الحكم نفسُه يقال في “كل”، فيصحّ الرجوع عليها بجَمْع أو إفراد، كقوله تعالى: {كلُّهم آتيهِ} وقوله: {كلّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون}؛ جاء الخبر مفرَداً في الحالة الأولى وجَمْعاً في الثانية. ويرى بعضُ النحاة أنها إذا أضيفت إلى نكرة فالأقوى والأصحّ أن يُراعَى في الخبر معنى النكرة (كما في الآية الثانية)، وأن الشكلين في الصحّة والقوة سواء إذا أضيفت إلى معرفة (كما في الآية الأولى، حيث أضيفت إلى الضمير، والضمائر معارف كما تعلمون).

 

(3) والحكم نفسه يصحّ أيضاً في “أيّ” الاستفهامية، فنقول: أيّ مجاهد استُشهِد؟ أيّ مجاهدَين استُشهِد؟ أيّ مجاهدَين استُشهِدا؟ أيّ المجاهدِين استُشهِد؟ أيّ المجاهدِين استُشهِدوا؟ كلها صور صحيحة. رحم الله شهداءنا وصبّرَ على فَقْدهم أهليهم، وجعلهم فيهم من الشفَعاء يوم الحساب.

 

فائدة: لا تقل استَشهَد (بالبناء للمعلوم) بل استُشهِد (بالبناء للمجهول)، فإن الله يَستشهد من يشاء: {ويتخذ منكم شهداء} فهو يَستشهِد والميت منا يُستشهَد. ومثله الوفاة: الله المتوفِّي (بالياء) والميت متوفَّى (بالقَصْر)، قال تعالى: {الله يتوفى الأنفسَ حين موتها} وقال: {والله خلقكم ثم يتوفّاكم}.

 

(4) وينطبق الحكم نفسه أيضاً على “مَن”، سواء أكانت موصولة أم غير موصولة، فهي كلمة مفردة اللفظ ولكنّ معناها يتنوع بين الجمع والإفراد، فجاز أن يعود عليها الضميرُ مفرداً مذكراً مراعاة للفظها، أو يكون غير ذلك مراعاةً للمعنى. من الأول قوله تعالى: {ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به}، ومن الثاني قوله تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك}. واجتمع المذهبان في قوله تعالى: {بلى مَن أسلم وجهَه لله وهو مُحسنٌ فله أجره عند ربّه} فأفرد هنا، {ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} جاء هنا بالجمع.

 

(5) يجوز أن يرجع الضمير إلى “كلا” و”كلتا” والإشارةُ إليهما بمراعاة اللفظ (وهو مفرد) أو المعنى (وهو مثنى)، فنقول: “داعش وحالش كلاهما عدو للثورة”، أو “كلاهما عدوان للثورة”. ونقول: “داعش وحالش كلاهما أجرَمَ بحق السوريين”، أو “كلاهما أجرَما بحق السوريين”.

 

(6) اسم الجنس الجمعيّ إذا وُصف أو أُخبِر عنه أو أُشير إليه أو عاد عليه ضميرٌ جازت في هذه الأحوال كلها أربعةُ أوجه: الإفراد بالتذكير، أو الإفراد بالتأنيث، أو جمع التكسير، أو جمع المؤنث السالم. الحالات السابقة كلها وردت في الآيات الأربع (أو الآيات الأربعة) التالية: {أعجازُ نخل منقعر}، {أعجاز نخل خاوية}، {السحاب الثقال}، {والنخل باسقات}.

 

فائدة: اسم الجنس الجمعي هو اسم الجنس الدالّ على الجَمْع، ويضع النحاةُ قاعدةً بسيطة للتفرقة بينه وبين مُفردِه، هي زيادة تاء التأنيث (التاء المربوطة) في آخره، مثل: سحاب، واحدته سحابة. وأيضاً: نخل، نخلة. شجر، شجرة. تفاح، تفاحة، إلخ. أو بزيادة ياء مشدّدة، مثل: عرب، عربيّ. ترك، تركيّ. روم، روميّ، إلخ.

هذا المنشور نشر في فوائد لغوية. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s