فوائد لغوية (8)

أيهما أصح في الكتابة: “سوريا” أم “سورية”؟

 

1- ليس منشورُ اليوم فائدةً لغويةً كالفوائد التي دأبتُ على نشرها في هذا الباب، بل هو أقرب إلى حوار في مسألة إملائية اجتهادية، أبدي فيها رأيي -غيرَ متعصّب له- وأسمع فيها آراءكم. وحيث إنها مسألة خلافية منذ عشرات السنين فلا يُتوقَّع من منشور صغير في صفحة متواضعة كهذه الصفحة أن يحسم الجدل بشأنها، ولكنه قد يساعد على توضيح وجهات النظر فحسب، وفي هذا الكفاية.

 

2- هذا الاسم قديم ولم يولد بعد تقسيم المستعمرين الأوربيين لبلاد الشام ولا اخترعه سايكس وبيكو كما يتوهم كثيرون. وهو ليس اسماً عربياً باتفاق، وإن كان الخلاف قائماً بخصوص الأصل: أهو يوناني أم سرياني أم أكّادي؟ وقد عرف العرب هذه البلاد (أو عرفوا جزءاً منها) باسم سورية منذ القدم؛ قال ياقوت في معجم البلدان: “سُورِيَة -بكسر الراء وياء مفتوحة غير مشدَّدة- موضع بالشام، بين خُنَاصرة وسَلَمْيَة، والعامة يسمونه سوريّة بتشديد الياء. والذي في أخبار الفتوح يدلّ على أن سورية اسم للشام كله”.

 

قلت: خُناصرة هي التي يعرفها الناس اليوم باسم خناصر، قرب حلب، وسَلَمْيَة هي البلدة التي نعرفها قرب حماة ويسميها العامة السلميّة (بالتعريف وبتشديد الياء). وعليه يكون المعنى الأصلي لسوريا -حسب التحديد السابق- هو النصف الشمالي من سوريا الحالية، وقد يكون اسماً للشام كله كما قال ياقوت.

 

3- كما رأينا فيما نقلته عن ياقوت (وكما ذكر الفيروزابادي في القاموس أيضاً، وهو كذلك في غيرهما من المصادر القديمة) فإن سورية تُكتَب بالهاء (أي بالتاء المربوطة، وإنما يسمّيها العرب هاءً لمقتضى الرسم). وهو مذهبٌ قديم في رسم أسماء البلدان، بقي هو المذهبَ الشائع المعتمَد حتى أوائل القرن العشرين، فكانوا يكتبون: فرنسة وإنكلترة وإيطالية وسويسرة وأميركة، إلخ. ثم تغير المذهب في كتابة أسماء البلدان بعد الحرب الأولى فصارت تُكتَب كلها بالألف، فكتبوا: فرنسا وإنكلترا وإيطاليا وسويسرا وأميركا، إلخ.

 

4- فماذا عن اسم بلدنا؟ اعتماداً على تغير أصول رسم أسماء البلدان كان ينبغي أن تصبح صورتها “سوريا” بالألف، لكننا نلاحظ أن “سورية” -بالهاء- ما تزال شائعة جداً إلى اليوم، بل أحسب أن الذين يفضلون هذه الصورة ويستعملونها أكثرُ من الذين يكتبون الاسم بالألف، وهي نفسها الصورةُ التي تعتمدها الدولة السورية ونظام الاحتلال الأسدي.

 

5- رأيي أن نساير التغيير ونترك “سورية” إلى “سوريا”. أنا أصنع ذلك فأكتبها بالألف، وممّا يشجعني على اختيار هذه الصورة مخالفةُ النظام الذي ثرنا عليه وعلى حكمه وأنظمته وقوانينه، وكما هجرنا عَلَمه فلنهجر أيضاً مذهبه في كتابة اسم البلد، هذا أولاً. السبب الثاني، وهو أهم، أن كتابة الاسم بالألف يميّز بينه وبين الصفة ويمنع من الخلط بينهما، فلو اخترنا صورة “سورية” فسوف نقرأ بعض العبارات ولا نعرف هل المقصود اسم البلد أم النسبة إليه، كما في عبارة “حكاية سورية” مثلاً، هل هي حكايةٌ سوريةٌ (أي حكاية من سوريا) أم حكايةُ سوريا (بمعنى حكاية البلد الذي اسمه سوريا)؟ كما تلاحظون فإن هذا اللبس لن ينشأ أصلاً لو كتبنا منذ البداية “حكاية سوريا”.

 

6- أكرر أخيراً ما بدأت به آنفاً: لا أتوقع أن تُحسَم هذه المسألة قريباً، بل أظن أن يستمر الخلاف بشأنها طويلاً وأن تتكفل الأيامُ بحَسْمه، ربما خلال جيلين أو ثلاثة أجيال. حتى ذلك الحين لا بأس على كل واحد أن يكتبها كما يحب، فمن شاء أن يكتبها سورية فليكتبها كذلك، ومن شاء أن يكتبها سوريا فله ما يريد (وأنا من هذا الفريق).

 

هذا المنشور نشر في فوائد لغوية. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s