جيش الإسلام المُفترَى عليه

جيش الإسلام المُفترَى عليه

 

مجاهد ديرانية

 

أثارت عملية جيش الإسلام في دمشق أمس جدلاً طويلاً وحواراً صاخباً لم يهدأ حتى الساعة. وهو حوار جيد جرى أكثرُه في أجواء فكرية صحّية تبحث عن المصلحة والصواب، رغم أن بعض المشاركين فيه -من طرفَي الحوار- لم يَنجُوا من حدّة لو تجردوا عنها لكان عرضُهم لأفكارهم أفضلَ وأكمل، وأحسب أنهم معذورون في حِدّتهم لأن الواقع الذي يعيشونه -في دمشق وغوطتها- مُثقَل بالمعاناة والآلام.

 

الذين لا يُعذَرون ولا ينبغي السكوت عنهم هم المفترون من أعداء الثورة، بعضهم من شبيحة النظام وأكثرهم من شبيحة داعش، الذين وجدوا في الجدل الدائر ثغرة نفذوا منها إلى ممارسة هواية قديمة لهم هي الانتقاص من جيش الإسلام ورميه بالتهم والافتراءات الكاذبات، فرأيت أن الوقت قد حان لأدلي بشهادة طال كتمانها في الجيش الذي كذب خصومُه فأسمَوه جيش الانسحابات، ولَعَمري إنه جيش الرباط والتضحيات، وإنه لواحدٌ من أهم القُوى العسكرية في الثورة السورية، هو وأشقاؤه وشركاؤه في الرباط والجهاد: الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام وحركة أحرار الشام وصقور الشام وجيش المجاهدين، وسائر الفصائل والكتائب المجاهدة في ديار الشام.

 

لجيش الإسلام عيب سأصفه بعد قليل، ولكنه بريء من التهم الأربع الكبرى التي يرميه بها أهل الأهواء، فإنهم يزعمون أنه جيش الانسحابات، ويتهمونه بتخزين السلاح، وبالتقاعس عن فتح معركة دمشق، ويرمونه بالعمالة والارتباط بأعداء الثورة في الخارج. وهي افتراءات متهافتة لا يحتاج جيش الإسلام إلى قلم ضعيف عاجز كقلمي ليردّ عليها ويُثْبت تهافتها، ولولا أنني وجدت نفسي -بسبب مقالتي الأخيرة- داخل “ميدان الرماية” الذي يرمون منه جيش الإسلام لما كتبت هذه المقالة.

 

*   *   *

 

فأما اتهام جيش الإسلام بأنه “جيش الانسحابات” فما رأيناه إلا مرابطاً ثابتاً في واحدة من أهم وأصعب الجبهات، غوطة دمشق، مع بقية فصائل الغوطة المباركة وعلى رأسها الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام وفيلق الرحمن. وما علمنا أنه انسحب من جبهة كان يستطيع الدفاع عنها، وما علمنا فصيلاً في سوريا كلها لم ينسحب من جبهة من الجبهات في وقت من الأوقات. ولقد رأينا الفصائل المجاهدة كلها منسحبة أحياناً ثم رأيناها كرّارة في أحيان أخرى، وليس هذا عيباً، إنما العيب هو العناد والمكابرة والتشبث بموقع محكوم عليه عسكرياً بالسقوط، فتفنَى قوةُ المسلمين في غير طائل.

 

ويتهمون جيش الإسلام بأنه يخزن الأسلحة والذخائر. نعم، إنه يفعل ذلك، فما وجه التهمة في تخزين الذخيرة والسلاح؟ إنما هي تهمة سخيفة أطلقها داعشي أحمق ذات يوم فتلقفها منه أصحابٌ له يفوقونه حماقة. وإلا فماذا يتوقعون من فصيل مرابط في جبهة مساحتها أربعمئة كيلومتر مربع ويعيش فيها مليون إنسان؟ هل ينبغي أن يُخْليها المرابطون من السلاح حتى يبتلعها العدو في يوم وليلة؟ إن الواحد من أفراد الناس لَيخزن الطعام في بيته لِيعول أسرته في زمن الحصار، فكيف لا يخزن السلاحَ والذخيرةَ من عليه واجبُ ردّ العدو ومنعه من اختراق الحصار؟

 

ثم إنهم يتهمون جيش الإسلام بالتقاعس عن تحرير دمشق، ويقولون إنه لو كان صادقاً لحررها منذ زمن. وهذا الاتهام لا يصدر إلا عن هُواة أو مُفْترين. إن فصائل عظيمة في الشمال المحرَّر تكاد تعجز عن اقتحام مطار أو قاعدة عسكرية تحاصرها الشهورَ الطوال، وها هي داعش (التي أطلق أنصارُها تلك الفرية على جيش الإسلام) عاجزة عن السيطرة على حقل نفطي مكشوف من الجهات الأربع وبعيد عن الإمداد والإسناد، عجزوا عن السيطرة عليه في تسعة أشهر من القتال، ورغم ذلك يعيبون على جيش الإسلام عجزَه عن اقتحام القلعة الكبرى للنظام.

 

إن النظام يحتفظ في العاصمة والمناطق المحيطة بها بستة أعشار قوته الضاربة، وقد استعدّ لمواجهةٍ يعلم أنها آتيةٌ ذات يوم لا مَحالة، فخزّن من الأسلحة والذخائر ما يكفي لمعركة تمتد لشهور طويلة، أما المجاهدون في الغوطة فإنهم بالكاد يملكون ما يردّون به جيش النظام الغازي عن الغوطة المحاصَرة، ولو أنهم فتحوا معركة دمشق بهذه الإمكانيات المتواضعة لفَنِيَت ذخائرهم في أسبوع، وتكون العاقبة -لا قدّر الله- سقوط الغوطة واستباحتها وخسارة فرصة تحرير دمشق إلى الأبد.

 

التهمة الرابعة التي يتهمون بها جيش الإسلام هي العمالة لجهات خارجية وتلقّي الدعم والمساعدة منها. وهذه أخطر التهم على الإطلاق، ليس بحق جيش الإسلام وحدَه بل بحق الثورة كلها، لأن الذين يطلقونها يريدون أن يصلوا إلى نتيجة حتمية تجرّم كل مؤسسات الثورة العسكرية والإغاثية التي ترتبط كلها -دون استثناء- بممولين وداعمين خارج سوريا، وهو ارتباط حتمي في ثورة عزلاء تواجه نظاماً يملك واحدة من أضخم المؤسسات القمعية في العالم ويملك قوة عسكرية هائلة وتدعمه دول كبيرة قوية دعماً غيرَ محدود. وهل تلقي دعم محدود غير مشروط من قُوى تتقاطع مصالحُها مع الثورة أحياناً هو العمالة والخيانة، أم هو بيع النفط للنظام الذي تصنعه داعش جهاراً بلا حياء؟

 

*   *   *

 

كل ما يروّجه خصوم جيش الإسلام مما سردته آنفاً (وأكثرُ خصومه من الغلاة) ليس سوى خرافات اكتسبت قدراً كبيراً من المصداقية في أوساط السذّج من الناس بسبب التكرار والتدوير المستمر، على منهج وزير الدعاية النازية المشهور غوبلز: اكذب واكذب حتى يصدّقك الناس.

 

لكنّ نفينَا لكل تلك الافتراءات لا يعني أن جيش الإسلام بريء من النقائص، بل إن فيه عيباً كبيراً يشبه العيب الذي ننتقده في جبهة النصرة ونأخذه عليها، وهو الميل إلى التفرد والاستقلال، مع اختلاف في درجة هذا العيب بين الطرفين. فإن النصرة قد بلغت الغاية بالتفرد، ففارقت الجماعة وعطلت العمل الشرعي والقضائي المشترَك واستقلّت بإصدار القوانين وإلزام جمهور الناس بها، أما جيش الإسلام فإنه جزء من القيادة المشتركة في الغوطة الشرقية، وهو أيضاً جزء من مجلس الشورى والقضاء الموحد، ولكنه يَجنح أحياناً إلى التفرد فيتحرك مستقلاً، وهذا هو أكبر انتقاد يوجهه إليه شركاؤه من بقية القوى الثورية والعسكرية في الغوطة.

 

على أن هذا العيب لم يصل بجيش الإسلام إلى الخطر الأكبر لسببين: أولهما أنه لم يخالف الجماعة حتى عندما تصرف منفرداً مستقلاً، كما في حملته الأخيرة على جيش الأمة في الغوطة. فقد بادر بالحركة منفرداً معتمداً على قرار شوريّ جماعي، فأخطأ وأصاب، وخطؤه أكبر من صوابه؛ أصاب بتوافق حركته مع الرأي الجماعي، وأخطأ بالانفراد وإقصاء بقية فصائل القيادة المشتركة عن الحملة (ولعل عملية إطلاق الصواريخ الأخيرة على دمشق تدخل في الباب نفسه). الضابطُ الثاني الذي يخفّف من خطر الفردية بالعمل والاستبداد بالرأي هو قابلية جيش الإسلام وقائده الشيخ زهران لسماع النصيحة واستعداده للتراجع عمّا يراجَع فيه من تجاوزات وتفرّدات، وقد تابعت مشكلات كثيرة انتهت نهايات حميدة بسبب هذه الخصلة الرشيدة.

 

*   *   *

 

هذه شهادتي في جيش الإسلام، وسوف أختمها بنصيحة أقدمها له، ولن يزعجه تقديمُها علانيةً بإذن الله: إن لجيش الإسلام محبة وقَبولاً في قلوب الناس، وهو يزيد رصيدَه من المحبة باحترام جمهوره واحترام شركائه في الميدان. فأما الجمهور فيحتاج إلى التعامل الراقي الذي يَصون كرامة الأفراد وحريتهم ويُثْبت أن الإسلام معاملة وإحسان قبل أن يكون رايات وشعارات. وأما الشركاء فلهم على جيش الإسلام حق الأخوّة والشراكة الكاملة، وأهمّ تبعاتها الخضوعُ الكامل للشورى والالتزامُ بالعمل المشترك.

 

إن الذي يتواضع لإخوانه ويُلزم نفسَه بالشورى -ولو خالفت رأيه- قد يخسر جولة أو بضع جولات، ولكن أرباحه ومكاسبه ستكون أضعافَ أضعافِ ما يخسره لا محالة، فإن الناس عبيد لمن أحسن إليهم، وإن اللين ليصنع في الوقت القصير ما لا يصنعه العنف في أطول الأوقات، ومَن خفض لإخوانه جناحَه خفض إخوانُه له أجنحتَهم وتآلفت عليه القلوب.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s