وقفات مع الحدود الشرعية (3)

منهج الإسلام في تقليل الحدود

مجاهد ديرانية

 

أخرج أحمد في المسند والهيثميُّ في مجمع الزوائد، ورواه الألباني في السلسلة الصحيحة وحسّنَه، عن عبد الله بن مسعود قال: إني لأذكر أول رجل قطعَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ أُتِيَ بسارق فأمر بقطعه، فكأنما أسِفَ وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي ظهر عليه الحزن العميق، والأسفُ هو أشدُّ الحزن كما قال الفيرزابادي في القاموس)، فقالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه؟ قال: وما يمنعني؟ لا تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم. إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حدٌّ إلا أن يقيمه. إن الله عفوٌّ يحب العفو. ثم تلا: {وَلْيَعفوا وليَصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ والله غفور رحيم}.

 

هذا الحديث العجيب شغل ذهني زماناً، وقد شعرت على الدوام أنه عمدة في باب الحدود واستخرجت منه (ومن غيره من أحاديث الباب) جملة من الفوائد العظيمة، أعرضها هنا وفي الحلقات القادمة من هذه الأحاديث إن شاء الله.

*   *   *

إن الإسلام لم يكن قَطّ حريصاً على الإكثار من إقامة الحدود، بل يبدو واضحاً أنه يسعى إلى تقليلها، لذلك وضع في طريقها عدةَ عراقيل من شأنها أن تقللها أو تعطّلها، منها ما هو مطلوب من المذنبين الذين يرتكبون ما يوجب الحد، ومنها ما هو مطلوب من الأمراء الذين يقيمونه، والثالث مطلوب من عامة المسلمين.

 

فأما ما يُطلَب من صاحب الذنب فهو الاستتار وعدم الإشهار، لأن الجهر بالمعصية معصية كما قال أهل العلم، أخذوه من الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان: “كل أمّتي مُعافَىً إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملتُ البارحةَ كذا وكذا. وقد بات يستره ربُّه ويصبح يكشف ستر الله عنه”. قال ابن حجر في “الفتح”: “ورحمته عزّ وجَلّ سبقت غضبَه، فإذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة”. قلت: فما أعظمَ الإسلام وما أرحمَ الله بالعباد.

 

وأما ما يُطلَب من العامة فإنه الستر على من استتر. والستر من حقوق المسلم على المسلم، فإذا رأى أحدُنا معصيةً لم يقصد صاحبُها أن يجاهر بها فالأصل أن يستر عليه ولا يكشف سرّه أو يهتك ستره، ولو فعل وهو يظن أنه محسن فقد أساء، بل يوشك أن يعاقبه الله فيهتك ستره كما هتك ستر أخيه. في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من نفّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على مُعسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة”. وأخرج مسلم عن أبي هريرة: “من ستر على مسلم ستر الله عليه”، وفي لفظ له: “لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة”.

 

فهذه أصول في الباب، ومنه الحديث الذي أخرجه ابن حبّان في صحيحه عن كاتب عقبة بن عامر قال: قلت لعقبة: إنّ لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داعٍ لهم الشُّرَط (أي الشرطة) ليأخذوهم. قال: لا تفعل وعِظْهم. قال: إنّي نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داع لهم الشرَط ليأخذوهم. قال: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَن ستَرَ عورةً كان كمَن أحيا موؤودة”.

*   *   *

إذا كان الاستتار مطلوباً من مرتكب الذنب والستر مطلوباً ممّن اطّلع عليه عرضاً، فما المطلوب من الأمراء والولاة؟ هل يكلَّف السلطانُ بأن يتحرى ويتجسس حتى يعثر على الزُّناة والشُّرّاب فيقيم فيهم الحدود؟ الجواب مدهش جداً. إنه ليس “لا” مجردة، فليست القاعدة أنّ وليّ الأمر لا يكلَّف بذلك فحسب، بل إنه مَنهيٌّ عنه وممنوع منه أصلاً، فلا يحق له، أي لا يجوز شرعاً، أن يتجسس ويتكلّف البحثَ لكي يقبض على الجُناة بالجرم المشهود.

 

رُوي النهي عن تسوّر الجدران على مَن اجتمعوا على منكر عن سفيان الثوري وغيره من أهل العلم، وعن أحمد: “أما التفتيش عمّا استراب به فلا يحل”. واستثنى القاضي أبو يعلى المنكر الذي فيه انتهاكُ حرمةٍ يفوت استدراكها، كالقتل، فله التجسس والبحث والإقدام -إن أخبره ثقةٌ- حَذَراً من فوات ما لا يُستدرَك، وإن كان دون ذلك في الخطر لم يَجُز التجسس عليه ولا الكشف عنه؛ قال إمام الحرمين: “وليس للآمر بالمعروف البحثُ والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون”.

 

وروى الزهري بسنده عن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس ليلة مع عمر في المدينة، فبينما هم يمشون شَبّ لهم سراجٌ في بيت، فانطلقوا يؤمّونه، حتى إذا دنَوا منه إذا بابٌ مُجَاف (أي مَرْدود) على قوم لهم أصوات مرتفعة. فأخذ عمر بيد عبد الرحمن وقال: أتدري بيتُ من هذا؟ قال: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شَرْب (أي مجتمعون على الشراب) فما ترى؟ فقال عبد الرحمن: أرى أنّا قد أتينا ما نهى الله عنه؛ نهانا الله عز وجلّ فقال: {ولا تجسّسوا}، وقد تجسسنا. فتركهم عمر وانصرف عنهم. الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه الذهبي.

 

وهذا كله مجموع في كلمتين في كتاب الله هما قانون عام في الحياة الاجتماعية والسياسة الشرعية: {ولا تجسّسوا}. أخرج أبو داود عن أبي أمامة الباهلي (وصححه الألباني في تخريج المشكاة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم”. وفي سنن أبى داود عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنك إن اتبعتَ عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم”. قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها.

*   *   *

إن الله سِتّيرٌ يحبّ الستر كما جاء في الحديث (أو سَتير، بمعنى ساتر). ولقد سَنّ الله “قانونَ السَّتْر” للجماعة المسلمة بكل طبقاتها، تماماً كما سَنّ لها “قانون العقوبات” (الحدود). فهو قانون أصلي، والستر يتقدم في الترتيب على الحَدّ وهو جُنّة له (وقاية منه)، فمَن استتر بذنبه لم يَجُز فضحه لمن اطّلع على الذنب عَرَضاً، ولا التجسس عليه لكشفه وإقامة الحد عليه.

 

هذا القانون العظيم يحقق هدف الشارع: تقليل الحدود لا تكثيرها، وهو الأصل الذي عليه فقهاء الأمة والمنهج الذي طُبِّق في تاريخنا الطويل، حتى جاء أُغَيلمة جَهَلة مصابون بأمراض نفسية ساديّة، يعشقون الدم ولا يرتوون منه كما قال كبيرهم الذي علّمهم السحر (المدعو بالعدناني) فأخذوا شطرَ حكم الله وحكمته وتركوا شطر الحكم والحكمة، أخذوا النتيجة وتركوا المقدمة، وما نتيجةٌ بلا مقدمة إلا كطابق في الهواء لم يَقُمْ على أساس! فتجسسوا وفتّشوا عن الخفايا وفحصوا حواسيب الناس وهواتفهم بحثاً عن أدلة تجرّمهم، ثم ساقوهم إلى ساحات الذبح فقتلوا وقطعوا ورجموا وصلبوا وفعلوا الأفاعيل. ألا لعنة الله على المُفترين والظالمين.

(للحديث بقية)

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s