داعش فعلت ما لم يفعله اليهود

مجزرة_الشعيطات

 

داعش فعلت ما لم يفعله اليهود

 

إي والله، ولا نظام الأسد.

 

لقد انتفض الفلسطينيون على الاحتلال اليهودي في فلسطين، فاعتقل منهم الآلافَ وعذبهم في السجون تعذيباً ظنّوا أنه آخر ما وصلت إليه وحشية الإنسان. ثم ثار السوريون على الاحتلال الأسدي، فاعتقل منهم مئات الآلاف وعذبهم في باستيلات سوريا تعذيباً فظيعاً أوصل الآلافَ منهم إلى الموت أو الجنون، حتى تمنَّوا أن يُمضوا ألفَ سنة في سجون اليهود ولا يُمضوا أسبوعاً في سجون الأسد.

 

على أنّ اليهود ونظام الأسد لم يبلغوا في الإجرام ما بلغَته داعش في الشام، فإن أياً منهما لم يستأصل مدناً كاملة خرجت عليه طائفةٌ من أبنائها كما صنعت داعش في مدن الشعيطات، ولا تجرأ اليهود ولا تجرأ الأسد على إبادة عشيرة كاملة وتشريد أطفالها ونسائها في البراري من باب الثأر والانتقام.

 

ما تزال جريمة داعش الكبرى في الشعيطات تتكشف فصولُها الكئيبة الدامية يوماً بعد يوم، وقد تجاوز عدد ضحاياها إلى اليوم ألفَي قتيل، قُتل أكثرهم صَبْراً غَدْراً مشدودي الوَثاق كما تشهد الجثثُ التي ما تزال تُستخرَج من بطن الأرض يوماً بعد يوم.

 

وبذلك فإننا نستطيع أن نعلن أن “مجزرة داعش في الشعيطات” هي كُبرى مجازر الثورة السورية بلا منازع، فقد تجاوزت مجزرةَ الغوطة الكيماوية الشهيرة بأضعاف: ضعف العدد، وأضعاف التنكيل، وأضعاف أضعاف التشريد الذي طال مئةَ ألف من المدنيين الذين أخرجتهم داعش من بيوتهم وقراهم وشردتهم في الأرض العراء.

 

*   *   *

 

يقول كلاب داعش الذين ينافحون ويدافعون عنها بالباطل أن الغادر يستحق العقاب، وأن أولئك الناس غدروا ونكثوا فلا لومَ على داعش فيما تقابلهم به من تقتيل وتشريد. وجوابنا من وجهين: إن نكثهم المزعوم كنكث السوريين ببيعة الأسد، وإنما هو -في الحالتين- احتلالٌ فرضَ نفسَه بالقوة وسوّغ لنفسه تعبيدَ الناس، احتلال أسدي باسم البعث أو احتلال داعشي باسم الإسلام، لا فرق، فمتى كانت مقاومةُ الاحتلال نكثاً وغدراً يا من تبررون للقتَلة جريمتَهم النكراء؟

 

الوجه الآخر أهم بكثير: إن الشرع والقانون يتفقان على مبدأ عظيم من مبادئ العدالة: {ولا تَزرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى}. فإذا كان الذين ثاروا على داعش وقاتلوها (وهم محقّون في قتالها، قتلها الله) إذا كانوا مئات من الرجال، فلماذا قتلتم الآلاف؟ ولماذا شرّدتم مئة ألف من الضّعَفَة والشيوخ والنساء والأطفال؟

 

وهَبُوا أنكم قتلتم الرجال بحق، فإن المال بعد الموت يؤول إلى الورثة الذين لم يؤذوكم، فلماذا انتقمتم من المَوتى فصادرتم مئات البيوت وفجّرتم مئات أخرى وطردتم ما بقي من الأهالي من سائر البيوت، قبل أن “تَمُنّوا عليهم” و”تسمحوا لهم” بالعودة إليها مقابل شروطٍ خجل نظامُ الأسد من فرضها على الذين هادنهم من الثوار؟ أفيكون طاغيةُ سوريا أرقَّ قلباً منكم يا أعداء الله؟ لقد جعلتم الناس يترحّمون على أيامه بعدما رأوا أيامكم، أسأل الله أن ينتقم منكم انتقاماً يليق بجريمتكم وجنايتكم على الإسلام والمسلمين، وأن يخلّد كبارَ مجرميكم وصغارَهم في النار، فإنّ المجرمَ الصغير عندكم والمجرمَ الكبير سواء.

 

*   *   *

 

ما هو الدين الذي يتبعه هؤلاء السفاحون الأفاكون الذين رفعوا -ظلماً وعدواناً- رايةَ الإسلام؟ ليس هو الإسلام قطعاً، ولا حتى النصرانية ولا اليهودية، فإنّ ما نزل على موسى هو ما نزل على إبراهيم من قبله ومحمد من بعده، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين: {أم لم يُنبَّأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفّى: ألاّ تزر وازرة وزر أخرى}. ليس دينهم هو الإسلام ولا النصرانية ولا اليهودية، إنه دين هولاكو وجنكيز وتيمور الذين كانوا يحرّقون البلادَ ويتركون وراءهم أهراماً من الجماجم.

 

ولا يَقُلْ أحدٌ من الجَهَلة وأرباع العلماء وأرباع أرباعهم إن هذا حكمٌ شرعي قياساً على حكم بني قريظة، فإن ذاك حكمٌ خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام كما أجمع علماء الأمة، ولم يطبقه المسلمون في تاريخهم قَطّ على كثرة ما خاضوا من حروب. ثم إن الشعيطات مسلمون ليسوا كفاراً ولا مرتدين، ولا يكرّرُ حماقات داعش ويصف مَن قاوم عدوانَها وبغيها بالمرتدين إلا غبيٌّ عَيِيٌّ جاهل، هو إلى البهائم أقرب منه إلى العقلاء الأسوياء.

 

إن الإسلام بريء من الديانة الداعشية براءته من الديانة الهولاكية، ولا يصدّق أن داعش جماعةٌ من المسلمين المجاهدين إلا ناقصُ عقل ودين. ثم نجد في مصر والأردن وفلسطين وليبيا والمغرب والجزائر وسائر بلدان المسلمين مَن يزعم أن هؤلاء القتلة مجاهدون وأن احتلالهم لبلادنا هو إقامة لدولة الإسلام. إنْ كانت داعش قتلَتنا مرةً فقد قتلَنا هؤلاء مرتين: مرة بتجاهل الجريمة وعدم الاكتراث بدمائنا المُهراقة، ومرة بالدفاع عن القاتل والتصفيق له ومنحه شهادات الشرف وصكوك الغفران.

 

يا من تؤيدون داعش وتدعمونها بالكلمة والمال والرجال: شكوناكم إلى الله القادر الجبّار.

 

_______________

 

تعقيب: عندما أقول إن داعش أشدُّ إجراماً من اليهود والنظام فإنني أقصد تحديداً جريمتَها الكبرى في الشعيطات التي أقمتُ المقالةَ كلها عليها (كما لا يخفى على القرّاء الكرام) ولا أعني أن إجرام داعش أكبر من إجرام الأسد بإطلاق، فهذا لا يقوله عاقل. لقد ارتكب النظام جرائم ومجازر وفظائع وموبقات يعرفها أهل الثورة جميعاً، ولكنه لم يتجرأ على إبادة آلاف الرجال وتشريد عشرات الآلاف من النساء والأطفال كما صنعَت داعش في قرى الشعيطات الثلاث: الكشيكية والبوحمام والغرانيج. هذه المجزرة هي أسوأ وأضخم مجازر الثورة بلا نقاش، وفيها تحديداً (وليس بإطلاق) يصحّ أن نقول: لقد صنعت داعش ما لم يصنعه اليهود ولا صنعه نظام الأسد، لعنهم الله وأراحنا منهم أجمعين.

هذا المنشور نشر في داعشيات, رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s