وقفات مع الحدود الشرعية (4)

الحدودُ واجبةٌ على المجاهرين

 

مجاهد ديرانية

 

لاحظنا في الحلقة الماضية (منهج الإسلام في تقليل الحدود) أن الإسلام شَجّع على بناء معوّقات من شأنها أن تقلّل حالات تطبيق الحدود في المجتمع المسلم، ورأينا أن آليّة عمل تلك المعوقات هي محاصرةُ الجريمة الموجِبة للحدّ والتكتم عليها، والحيلولة دون ذيوعها وانتشار خبرها ووصوله إلى الحاكم. فإذا فشلت تلك المعوِّقات في العمل لأي سبب ووصل الخبر إلى الحاكم فلا بد من تطبيق الحد، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم إن الحدود واجبةٌ على الإمام وليست حقاً له (ومثلها التعازير، وخالف الشافعية).

 

ولكن كيف ستفشل آلية الإعاقة الموصوفة في المقالة السابقة؟ إذا كانت السلطةُ الحاكمة سلطةً إسلامية (فعلاً لا ادّعاء) فلن تُبيح لنفسها أن تتجسّس على المسلمين أو تتحسّس ما خَفِيَ من أخبارهم؛ أخرج البخاري عن أبي هريرة من حديثه صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظنّ فإن الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تَحَسّسوا ولا تَجَسّسوا”. وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال له: إن فلاناً تقطر لحيته خمراً. فقال عبد الله: “إنّا نُهينا عن التجسّس، ولكن إنْ يظهرْ لنا شيءٌ نأخذ به” (أخرجه أبو داود وصحّحه الألباني).

 

وإذن فلن تُكشَف الجريمةُ الموجِبة للحد إلا إذا كشفها شخصٌ اطّلَع على سرّه عرَضاً فأذاعه ولم يستر عليه، أو إذا كشفها صاحبُها بنفسه، إما اعترافاً على سبيل التوبة، أو مجاهَرةً على سبيل المفاخَرة والاستهتار.

 

*   *   *

 

الحالةُ الأولى مخالفةٌ شرعية يأثم مرتكبها، وهو يعرّض نفسه لسخط الله، فلا يأمن أن يكشف الله ستره ويفضحه في موقف يسرّه أن يُستَر فيه؛ في حديث ابن عمر (وهو صحيح) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تُؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنه من تتبّعَ عورة أخيه المسلم تتبّعَ الله عورتَه، ومن تتبع الله عورتَه يفضحه ولو فى جوف رحله”. إن الأصل المحمود هو الستر كما رأينا في التوجيهات النبوية الصريحة التي وردت في المقالة السابقة، كقوله صلى الله عليه وسلم: “من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة”، ويدخل في الفعل المحمود منعُ من يسعى بالفضيحة مِن سعايته، كما صنع عقبة بن عامر في الحديث الذي قرأناه في تلك المقالة.

 

الحالة الثانية هي اعتراف المذنب بذنبه على سبيل التوبة، وهي حالة مَقيتة لا يحبها الشرع ولا يشجّع عليها، فلا يُندَب للمذنب أن يعترف للإمام بذنبه ليطهّره كما يَشيع بين الناس، بل هو خلاف الأَولى. الأَولى هو أن يتوب ويستغفر الله ويستر على نفسه.

 

في حديث ماعز أنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم معترفاً بذنبه بسبب نصيحة تلقاها من أحد أبناء عمومته، واسمه هزّال بن يزيد الأسلمي، فهل استحسن النبي صلى الله عليه وسلم تلك النصيحة؟ أخرج النسائي وأبو داود في السنن وأحمد في المسند والألباني في الصحيحة أنه دعاه فقال له: “يا هزّال، لو سترتَه بثوبك كان خيراً لك مما صنعت به”. وعلّق الحافظ ابن حجر في “الفتح” فقال: “يؤخَذ من قصته أنه يُستحَبّ لمَن وقع في مثلها أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد، وبهذا جزم الشافعي، قال: أُحبّ لمَن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب”.

 

الحالة الأخيرة أسوأ الحالات، وهي التي سنقف عندها في هذه الحلقة. إنها حالة المجاهر الذي يصبح وقد ستر الله عليه فيحدّث الناسَ بذنبه ويفضح نفسَه، أو المجاهر الأسوأ الذي لا يهتم بأن يستتر بذنبه أصلاً ويرتكب الجريمة أمام الناس، كأن يشرب الخمر أو يتعاطى المخدرات جَهاراً. مَن صنع ذلك فجهر بذنبه وارتكب جريمته في العلن فإنه يضيف إليها جريمة أسوأ منها، هي نشر الفاحشة وتشجيع العامّة على ارتكاب الموبقات.

 

*   *   *

 

لماذا قلتُ إن إعلان الجريمة أسوأ من ارتكاب الجريمة نفسها بكثير؟ لأن الأعمّ الأغلب أن المذنب يُذنب وهو في حالة ضعف وغفلة، وما أكثرَ ما يندم بعد الذنب فيتوب ويستغفر، فيدخل في عموم خطاب الربّ الرحيم تبارك وتعالى في الحديث القدسي: “يا ابن آدم، لو بلغَتْ ذنوبُك عَنان السماء ثم استغفرتَني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا (بضم القاف، أي ما قارب أن يملأ الأرض من الخطايا) ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقُرابها مغفرة”.

 

هذا هو موقف الخالق الرحمن الرحيم من العبد الضعيف المذنب الخطّاء، مهما بلغ حجم الذنب والخطيئة التي وقع فيها فإنه يَعِدُه بالمغفرة ما آب وتاب، ولكنّ هذه اللهجة الرفيقة الرقيقة لا تلبث أن تنقلب في موقف آخر إلى غضب شديد ووعيد مرعب بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. ما هو هذا الموقف؟ {إنّ الذين يُحبّون أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة}.

 

إن إذاعة الذنب وإشاعة الفاحشة ليست خطيئة عفوية سببُها الضعفُ البشري الجِبِلّي الذي لا يخلو منه إنسان. لا، إنها عدوان مقصود وجريمة متعمدة “مع سبق الإصرار والترصّد” كما يقول القانونيون في تعبيراتهم العصرية. وإن مرتكبي هذه الجريمة (إشاعة الفاحشة وإعلان المعصية) لا يقعون في الذنب ضحيةَ ضعفهم البشري ثم يتوبون من بعدُ ويستغفرون، بل إنهم يحرصون على إعلان الذنوب والمفاخرة بالخطايا ليُجرّئوا عليها غيرَهم من الناس.

 

هؤلاء يستحقون العذاب الأليم في الدنيا، فتطبَّق فيهم حُدود الله، ثم يُرَدّون إلى الله ويَرِدون عليه فيكمل عذابَهم في الآخرة كما قال: {لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة}. سواء مَن جاهر بالزنا والربا والسُّكْر والسرقة وقطع الطريق، ومَن روّج المعاصي ودعا إلى الفجور كما يصنع أصحاب بعض الفضائيات العربية المنحلّة الذين يحاربون الله ورسوله جهاراً بلا وازع من خلق أو دين أو ضمير.

 

*   *   *

 

القاعدة التي نستفيدها مما سبق في هذه الحلقة والتي قبلها: إن الإسلام يسعى إلى محاصرة الحالات الموجِبة للحدود لتقليل إقامتها في المجتمع المسلم، وفي هذا السياق يقرر هذه القاعدة: “الستر مطلوب والتجسس ممنوع”. ثم يعود فيؤكد أنْ لا حصانةَ لمُجاهر وأنّ من جهر بجريمة موجِبة للحدّ يُحَدّ، تطبيقاً لقاعدة أعلى وأشمل: “إنّ إشاعةَ الفاحشة جريمةٌ تفوق الجريمةَ الأصليةَ خطورةً وتستوجب العقاب”.

 

(للحديث بقية)

 

 

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s