سايكس-بيكويّات

سايكس-بيكويّات

مجاهد ديرانية 


استبقتُ بالعنوان نقدَ الناقدين الذين حفظت معزوفتَهم غيباً من كثرة ما سمعتها، فرأيت أن أوفّر عليهم عناء تكرارها في التعليقات والتعقيبات، وصدّرتُ بها المقالةَ توفيراً لأوقاتهم في كتابة النقد ووقتي في قراءته.

 

-1-

 

لو أن سوريا كلها استسلمت -لا قدّر الله- وهادنَت النظام ولم تبقَ سوى درعا أو دوما وحدَها متشبثةً بالثورة مرابطةً على خط النار، فهل يجوز أن نقول لدوما أو درعا: عليك وحدك أن تكملي المشوار وأن تستمري بالمعركة حتى الانتصار وتحرير سوريا من أدنى الجنوب إلى أقصى الشمال؟ لا يقول بهذا عاقل، فإنه حِملٌ تكاد تعجز سوريا كلها عن حمله، فكيف نَكِلُهُ إلى الجزء الصغير منها ونطالبه بما عجز عنه الكل الكبير؟

 

إن حجم سوريا في الأمة أقل من حجم درعا ودوما في سوريا بكثير، وكما لم يَجُزْ أن يحمل جزؤها الصغير همَّها الكبير فكذلك لا نرى من العدل والمنطق مطالبةَ سوريا بحمل همّ الأمة كلها وحل مشكلاتها العالقة منذ عشرات السنين. فلماذا يطالبنا بعض “الجهاديين” بأن نعلن الحرب على القريب والبعيد، وأن نستعدي أمم الأرض، وأن نتبرأ من الأنظمة والدول ونكفّرها قاطبة لنحصل على شهادة حسن سيرة وسلوك، ولكي نُثبت ولاءنا لأمة الإسلام ونَخرج من شبهة الولاء لسايكس وبيكو وتهمة التعصّب للوطن الصغير؟

 

-2-

 

قدّم ثوارُ سوريا عشرات الآلاف من الشهداء وفتح الله عليهم فحرّروا ثلثَي مساحة البلد، ثم جاء عدو ذميم لئيم مجرم أثيم اسمه داعش، فطعنهم في ظهورهم واستباح دماءهم فأوغل فيها بلا رادع من دين ولا وازع من ضمير، واغتال خيار قاداتهم وقتل الآلاف المؤلفة من المجاهدين الصادقين، واحتل غدراً وعدواناً ثلاثةَ أرباع الأرض التي حرروها بالدماء الزكية والتضحيات الجِسام.

 

لم يكتفِ كثيرٌ من إخواننا المسلمين خارج سوريا بأن لاذوا بالصمت ونحن نُذبَح ذبح الدجاج والنعاج، بل إنهم صفّقوا للقتَلة الغادرين ووزعوا عليهم أوسمة الفخار وعزفوا معهم ألحان الانتصار، وحين دافعنا عن أنفسنا وقاومنا المعتدين لامونا قائلين: لو لم تكونوا صحوات خائنين لما تشبثتم بمشروع التقسيم الصليبي الذي فرضه على أرضكم سايكس وبيكو ولما فضّلتموه على دولة الخلافة والإسلام! نقول لهؤلاء الظالمين (وما أكثرَهم): يا إخواننا الذين تجهلون الحال: أنصفوا، أو عودوا إلى الصمت والخذلان، فإنهما أهونُ علينا من التصفيق للقتلة الغادرين الذين يطعنوننا في ظهورنا ويذبحوننا من الوريد إلى الوريد.

 

-3-

 

نشر أخونا الفاضل عبد المنعم زين الدين من قريب مقالة لطيفة عنوانها “هل السوريون مسلمون؟ وهل عندهم علماء؟”. وما كان أغناه عن نشرها لو أن الناس تحلَّوا بالإنصاف ولم ينتقصوا من علماء الشام الذين يملؤون الشام بالآلاف. لا أعني كبار العلماء الذين يعرفهم الملايين، بل أعني صغار العلماء العاملين وطلبة العلم المخلصين الذين تشبثوا بالأرض ورفضوا مفارقة ميادين الجهاد، ففي كل ناحية وكل قرية في الشام منهم علماء وخطباء ودعاة ومربّون.

 

لكنّ أحد التنظيمات الجهادية الكبيرة في سوريا (الذي يصرّ على ربط نفسه بتنظيم آخر خارجها ) لم يجد في كل أولئك العلماء وطلبة العلم من السوريين مَن يصلح للفتوى والقضاء، فهو “يستورد” المُفتين والقضاة والشرعيين من بلدان الجوار، وبين حين وحين ينشقّ عنه قاض أو “شرعي” ويلحق بتنظيم مُعاد له ذاق على يديه الويلات! وفي كل حين وحين يشكو الناسُ في مناطق سيطرته من تعنّت قُضاته وعدم استيعابهم لطبيعة المجتمع السوري الذي يمارسون سلطتهم عليه، ولكن هذا التنظيم ما يزال متشبثاً بسياسته العنصرية ضد السوريين، فإذا شكونا من تعنّته نعَتَنا أنصارُه بالعنصرية والسايكس-بيوكويّة. حسبنا الله ونعم الوكيل.

 

-4-

 

يشكو أحرارُ سوريا منذ دهر من تفرّق كتائبهم ويَدْعون الله كل يوم أن يرصّ الصفوف وأن يؤلّف بين القلوب ويجمع المتفرقين. ولعل الله استجاب دعاءهم، فعطف قلوبَ المجاهدين بعضَهم على بعض وسخّر لهم مَن يسعى في المصالحة والتقريب، حتى كان من ذلك اجتماعُهم في كيانات كبيرة، لم تَرْقَ إلى الوحدة الكاملة المرجوّة ولكنها خطوة في الطريق الصحيح وبديل متواضع عن التشرذم الكريه والتفرق المذموم، وقد تبنَّتْ تلك الكياناتُ الجامعةُ مشروعَ الجهاد المحلّي وتوافقت على إقامة دولة الكرامة والحرية والقانون.

 

فلم يَرُقْ هذا الاجتماع لبعض المنظّرين من خارج الحدود، واعتبروه تجمّعاً فاسداً قام على غير طاعة لأنه أنشئ لخدمة مشروع استعماري تقسيمي وليس لخدمة مشروع الوحدة الإسلامية المنشود، المشروع العابر للحدود الذي يقوم على قاعدة “المنهج النقيّ” لا على أساس وطني محدود. مرة أخرى نجد أنفسنا -رغماً عنا- من جماعة سايكس وبيكو ومن أنصار التقسيم الاستعماري لبلاد المسلمين. مرة أخرى لا نجد جواباً سوى قولنا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

 

-5-

 

كلما شكونا من تسلط المقاتلين الوافدين على سوريا من خارجها (الذين يسمون أنفسهم مهاجرين) كلما شكونا من تسلطهم على إخوانهم السوريين ومن فرضهم أنفسَهم عليهم والتدخل القسري في معركتهم وقضيتهم ردّوا علينا بتلك الجملة المشهورة: “سوريا للمسلمين كلهم وليست للسوريين”!

 

وهم إذا قالوها لم يقصدوا البوادي والقفار المهجورة، بل يعنون المدن والبلدات المعمورة، فإذن سيكون معنى قولهم ذاك هو أن حلب ليست لأهل حلب ودرعا ليست لأهل درعا وحمص ليست لأهل حمص ودير الزور ليست لأهل الدير! ثم إن المدن ليست بشوارعها وحدائقها العامة بل بأحيائها وبيوتها المسكونة. فكأن أولئك الناس يقولون: هذه البيوت والأملاك ليست لأصحابها وساكنيها؛ إن بيوتكم وأملاككم ليست لكم يا أيها السوريون، وإنما هي للمسلمين!

 

هذا الهُراء يردده كثيرون بلا عقل ولا تفكير، فإذا قلنا لهم: “بل إن سوريا لأهلها، وقرار السلم والحرب فيها ملك لهم وحدهم، ولا يحدد مستقبل سوريا ومصيرَها إلا السوريون”. إذا قلنا لهم ذلك قالوا: “أنتم تقدّمون الولاء للأرض على الولاء للمسلمين وتتحدثون بمنطق الوطنية لا بمنطق الدين، إن سوريا ليست لكم وحدكم، إن سوريا أرض مباحة لكل المسلمين”.

 

ويحكم يا مغفلون! لمَن تكون البلاد إن لم تكن لأهلها؟ إن زعمتم أن التفريط في الحق مما يأمر به الدين فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بل إن سوريا للسوريين كما أن مصر للمصريين وليبيا للّيبيين وفلسطين للفلسطينيين، وإذا كان الدفاع عن حقنا في تملّك أرضنا وقيادة معركتنا بأنفسنا سايكس-بيكويّة فإننا سايكس-بيكويّون.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s