إنقاذ الشمال من الاشتعال

إنقاذ الشمال من الاشتعال

مجاهد ديرانية

 

-1-

 

ثلّةٌ من الحمقى لا يتّقون الله، حزم والنصرة وكل من يملك أن يطفئ النار ثم لا يفعل. حمقى؟ بل مجرمون. العدو محيط بحلب من كل الجهات، النظام وحالش وداعش يضغطون على حلب التي توشك جبهاتُها على الانهيار، والكلاب الضالّة من لبنان وإيران وأفغانستان تنهشُ لحومَ الصغار وتنتهك أعراضَ المؤمنات، ومراهقو الثورة مشغولون بتوطيد النفوذ وتصفية الحسابات.

 

نعم، الذين قتلوا أبا عيسى الطبقة مجرمون يستحقون المحاكمة والقصاص إذا ثبت عليهم الجرم. يستحقون محاكمة كالتي استحقها قَتَلةُ أبي زيد قنّاص في الغوطة وقَتَلة أبي أُسَيد الجزراوي في بنّش. لم نسمع أن أحرار الشام أو أن أجناد الشام هَيّجوا الحربَ على النصرة لأنها قتلت قادتهم، لكن يبدو أن القانون يختلف عندما يكون الضحية من النصرة، عندها لا تُحَلّ المشكلة في المحاكم، بل بتسعير القتال وتسيير الأرتال.

 

-2-

 

لقد أثبتت الاختبارات الحقيقية أن ثورتنا ثورة جاهلية تستتر بأسماء ورايات إسلامية. للأقوياء عندنا قانون وللضعفاء قانون، فالحق يدور مع القوة ولا تدور القوة مع الحق. الذين تُسترجَع حقوقهم وتُصان دماؤهم وأموالهم هم الأقوياء، أما الضّعَفَة فلا بواكيَ لهم ودمُهم هدَر.

 

قبل أربعة أسابيع مات شاب اسمه صفوان بوّابة، قُتل تحت التعذيب في سجن جبهة النصرة في معرة مصرين، وقد أشرف على تعذيبه أميرُ النصرة في البلدة خالد أبو قدور، واعترفت النصرة بمقتله في سجنها معتذرة بأن السجّانين “بالغوا قليلاً في التعذيب”. بعدها بأسبوعين اعتقلت النصرةُ في معرّة حرمة مصطفى حمود زريق ثم قتلته في السجن، وبعدها بأيام استُشهد في سجن النصرة بخان شيخون مضر أيوب بعد أسبوعين من الاعتقال، وأخيراً (وليس آخراً) قتلت النصرة في سجنها قبل أيام قائدَ إحدى الكتائب الصغيرة، قصي الملا، بعد خمسة أيام من الاعتقال.

 

هؤلاء لا بواكي لهم ولن يطالب بدمهم أحدٌ لأنهم لا ينتمون لفصيل قوي، لأنهم فقط سوريون مسلمون من عامة الناس. لا قُدِّسَت أمة ولا قُدِّسَت ثورة لا يُؤخَذ لضعيفها حقُّه من شديدها وهو غير مُتَعْتَع.

 

-3-

 

إذا كانت جبهة النصرة قادرة على أن تتجلى في هيئة أسد مرة وفي هيئة نعامة مرة، فلماذا لم نَرَ “الأسدية” إلا على فصائل الجيش الحر التي مَسَّت النصرةَ مَسّاً رقيقاً ورأينا “النعامية” على داعش التي قتلت منها الآلافَ وأوشكت أن تبيد خضراءها وتستأصلها من الوجود؟

 

يُحزننا أن نرى للنصرة قانونين: قانوناً تطبّقه على داعش وقانوناً تطبقه على سائر الفصائل والكتائب والجماعات الثورية المسلحة. القانون الأول يقول: لو قتلت داعش منا الآلاف فإننا لا نجرؤ أن ندافع عن أنفسنا أو نطالب بدماء شهدائنا، وسوف نصنع ما يصنعه النظام الأسدي: “نحتفظ بحق الرد”. أما لو اعتدى علينا فصيل ثوري يقاتل النظام فإننا جاهزون للقتال والاستئصال.

 

سيقول قائلهم: بلى، قاتلنا داعش في الشرقية. نقول: ثم أسلمتم لهم الأرض والرجال ليرتكبوا فيهم أبشع مجزرة سُجِّلت في الثورة في أربعة أعوام. ما حمَلكم على الانسحاب؟ ألا تركتم الشمال لأهل الشمال، ففيهم رجال، ودافعتم عن الشرق الضائع؟ هلاّ رأينا هناك “المراجل” والبطولات؟ وإذا وسعكم الصمتُ هناك بعد كل الذي لاقيتموه فلماذا لا يسعكم هنا وحلب توشك أن تحرقها النار؟

 

-4-

 

لم تقم الحرب العالمية الأولى لأن مجنوناً أطلق النار على أرشيدوق النمسا في سراييفو. لقد كانت القارة الأوربية مهيأة للحرب وكانت بانتظار عود الكبريت، فجاءت حادثة الاغتيال لتشعل النار في الفتيل لا أكثر. يعلم كل المتابعين أن الوضع في الشمال يشبه منذ خمسة أشهر الوضعَ في أوربا غداة الحرب.

 

لن ينشأ القتال بين النصرة وحزم لأن حزم اعتقلت بعض مجاهدي النصرة أو اغتالت أحد رجالها في الاعتقال (وهي جريمة بشعة بكل المقاييس وتستحق التحقيق والقصاص)، بل لأن النصرة اتخذت القرار بقتال حزم وإفنائها أولاً، وبعد ذلك ستبحث عن الأعذار والأسباب، سواء أكانت أسباباً مفتعَلة أو سبباً حقيقياً كالذي حصل البارحة. لن يقدّم السببُ ولن يؤخر لأنه عود الكبريت فحسب، ولن تُحَلّ المشكلة إلا بإعادة ترتيب البيت الداخلي ووضع قواعد صارمة تمنع حل الخلافات البينيّة بالسلاح.

 

بعيداً عن الصبيانيات والعنتريات: على حزم أن تسلّم المتهَمين بقتل أبي عيسى إلى المحكمة الشرعية في حلب، وعلى النصرة أن تسحب أرتالها وتوجهها إلى مكانها الطبيعي على الجبهات. إذا لم يلتزم الطرفان بحلّ شرعي قانوني سريع فإنهما يستحقّان كليهما الطردَ من الثورة، فلا حاجةَ لساحات الجهاد بفصائل تَزيد الفرقة وتسعّر النار وتحرف المسار.

 

-5-

 

قبل ستة عشر شهراً نشرتُ عن داعش مقالةً عنوانها “تعالوا إلى كلمة سواء” قلت فيها: “إن الجماعات المقاتلة كلها ترتكب أخطاء، ومن المألوف أن تنتشر الفوضى في أوقات الحروب وأن يقع ضحايا أبرياء. لن أقول إن تلك الأخطاء هي جوهر المشكلة، إن الخطر الذي أحْذَره وأحَذّر منه أكبر بكثير. فيما يتعقبُ الناس بعضَ الحوادث المتفرقة هنا وهناك أجد نفسي مشغولاً بالمشكلات الكبرى، مشكلات المنهج والهدف والقيَم والأفكار، لأنها هي الأصل الذي يصدر عنه ما نراه من سلوك وممارسات”.

 

اليوم أكرر الصّيحةَ نفسها وأضيف: ليست مشكلة الثورة في تجاوزات وأخطاء تقع هنا وهناك، بل هي في مناهج مدمرة لا تبالي بالدماء ولا ترى طريقة لفصل النزاعات إلا بتسعير القتال وتسيير الأرتال. إلاّ تتخلصْ أرضُ الشام من هذه المناهج وهذه الطريقة في حل الخصومات والمشكلات فعلى جهاد الشام السلام.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s