سَنَةُ داعش وسَنَةُ النّصرة

“صناعة التضليل”: سَنَةُ داعش وسَنَةُ النّصرة

 

مجاهد ديرانية


وقعت أمس حادثةٌ انتشر خبرُها في سوريا كلها خلال ساعات معدودة، وهي حادثة سقوط الطائرة العمودية في ريف إدلب. عقب سقوطها قبض مجاهدو المنطقة الذين ينتمون إلى فصائل مختلفة على الطيار ومساعديه، فكان منهم من أسرَتْه جبهة النصرة، ومنهم من أسرته فصائل أخرى، منها الكتيبة الأولى التابعة للفرقة 101 مشاة جيش حر، ونشرت الفرقة تسجيلاً مصوراً للحادثة فشاهده خمسةُ آلاف.

 

على الفور طار المحيسني إلى موقع الحادثة، وسرعان ما نشر في اليوتيوب مقطعاً مصوراً يلقي فيه كلمة حماسية وهو بجوار الطيار الأسير، وقد نُشر خلفَه علمُ جبهة النصرة، فشاهده خمسون ألفاً. وراح أنصار النصرة يتبادلون التهنئات ببطولات الجبهة التي أسقطت الطيارة (وما أسقطها إلا الله)، وكان المحيسني شريكاً، بل صانعاً، لهذا التضليل المقصود.

 

ليست هذه أولَ مرة ينسب فيها المحيسني لجبهة النصرة انتصارات عامّة شاركت فيها فصائل مختلفة، فقد سبقت منه سوابق كثيرة كان يتعمّد فيها تجاهلَ المشاركين المختلفين والتعتيمَ على إنجازاتهم وإبرازَ دور النصرة دون سواها، فيتوهم متابعوه أن العمل كله تم على يد النصرة ولم يكن لها فيه شركاء (رغم أن مشاركتها كانت رمزية في بعض الحالات). وهو حينما يصنع ذلك فإنما يخدم -من حيث علمَ أم لم يعلم- خطةً خبيثةً بدأت معالُمها بالظهور منذ بعض الوقت، وسوف تبدو أكثرَ وضوحاً مع الأيام.

 

*   *   *

 

لقد أنفق النظام الدولي -بآلته الإعلامية والسياسية الجبارة- جهداً هائلاً خلال السنة الماضية في سبيل تحويل الثورة السورية المباركة من ثورة شعب أسير مظلوم إلى حرب إرهابية يشنّها تنظيم مجنون على العالم الحر، فتغير عنوان المشكلة السورية في الإعلام الدولي من “ثورة شعبية” إلى “حرب على الإرهاب”. ونجحت الخطة الخبيثة بفضل داعش، سواء أكانت طرفاً في المؤامرة بوعي أم حطباً لها بلا وعي، لا فرق، وصارت الثورة العظيمة الكريمة رِجساً يتخوف منه العالَمُ وخطراً يسعى للخلاص منه ولو ببقاء الأسد.

 

إذا استطعنا أن نسمّي السنة الماضية (2014) “سنة داعش” فإننا نستطيع أن نسمي هذه السنة (2015) “سنة النصرة”، حيث بدأ الإعلام الدولي والعربي منذ شهرين بتلميع جبهة النصرة وتقديمها وتسويقها على أنها الفصيل الأكبر في سوريا، فينسب إليها الانتصارات كلها ويصوّرها على أنها قوة لا تُقهَر. حتى قناة “الجزيرة” صارت شريكة في هذه الحملة، فاختزلت الثورةَ كلها في تسميتين: جبهة النصرة، والمعارضة المسلحة (التي تضم كل الفصائل الأخرى، بما فيها الفصائل الكبرى كأحرار الشام وجيش الإسلام والجبهة الشامية) مما دفع الناشطين إلى إطلاق وسم بعنوان “قناة الجزيرة: كل الفصائل تعمل”.

 

*   *   *

 

انتشرت حملة تلميع وترويج جبهة النصرة في الإعلام العربي والغربي الناطق بالعربية وبغيرها من اللغات بدرجة صارخة في الآونة الأخيرة، وماذا بعد؟ خلال بضعة أشهر سوف تتحول سوريا في الإعلام الدولي إلى أرض تقتسمها وتتنازع عليها ثلاثُ جماعات: النظام وداعش والقاعدة (جبهة النصرة). أيّ القُوى الثلاث سيختار العالَم ليساعدها على الأخريات؟

 

وهكذا تكتمل المؤامرة التي بدأنا نرى إرهاصاتها من خلال تصريحات الساسة الأمريكيين والغربيين، التي تلمّح اليومَ على استحياء إلى ضرورة التفاوض مع الأسد لحل المشكلة السورية، والتي ستكشف في غدٍ القناعَ وتقول بأوضح الكلمات وأصرح العبارات: لقد اخترنا أن ندعم الأسد ونحارب الإرهاب الذي يحاربه الأسد. وعلى الثورة (لا قدّر الله) السلام.

 

لقد استطاع النظام الدولي الماكر أن يجرّ جبهةَ النصرة إلى الفخّ، وجَرّ إليه أيضاً أنصارَ النصرة الذين باتوا يشاركون في تنفيذ هذه المؤامرة الخبيثة بلا وعي، عندما يدفعونها إلى مزيد من التمدد وعندما يصفّقون لبغيها على الفصائل الأخرى. كما يشارك في هذه المؤامرة الخبيثة أيضاً كلُّ من يروّج للنصرة ويحاول تصويرها على أنها هي الثورة والثورة هي، بما فيهم المحيسني الذي يساهم في “صناعة التضليل”، فهو يضلّل الناس اليوم خدمةً لفصيله المفضَّل، ولكنه لن يكون في النهاية رابحاً لا هو ولا فصيلُه المفضل، الذي سيصبح أداة لضرب الثورة قبل أن يُضرَب هو نفسُه الضربةَ القاضية. وسوف تكشف الأيامُ الستارَ عن الأضاليل والأوهام.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s