المجاهدون والسياسة: الخاتمة

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى
الخاتمة: عقلية الثورة وعقلية الدعوة

 

مجاهد ديرانية

 

ختاماً نصل إلى أهمّ أسباب الضعف السياسي الذي تعاني منه جماعات المجاهدين، لعل الله يعينها على معالجته إذا أرادت فعلاً أن تقوم بالدور الذي نرجوه لها ونعلّق عليه الآمال.

 

إن أغلبية الجماعات الجهادية لا تزال تشارك في الثورة بعقلية الجماعة، أو ما أسمّيه “عقلية الدعوة”، وهي عقلية مناسبة لما قبلَ الثورة ولما بعدَها، ولكنها في زمن الثورات أقربُ إلى الضرر والإعاقة وتأخير الانتصار. أرجو أن ينتبه إخواننا المجاهدون إلى ما بين الدعوات والثورات من فروق لعلهم يعملون على تداركها، وأهمها ثلاثة.

 

الأول أن الدعوات لا تترخّص ولا تتنازل ولا تلين، فهي تدعو إلى الحق الكامل وتتشبث به وتدافع عنه ولو كان الثمنُ الموتَ والاعتقال والتنكيل. هذه التضحية الثقيلة التي تُطلَب من الدعوات لا تُطلَب من الثورات، لأن الثورة تقود الأمةَ بكبيرها وصغيرها وقويّها وضعيفها وعالِمها وعاميّها، فلا يسعها ولا يحق لها أن تَحمل الناس جميعاً على الشدة وتحمّلهم ما لا يطيقون. لذلك رأينا من النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية مرونةً لم نَرَ مثلها في حصار الشِّعْب، رغم أن حالة المسلمين في تلك الأيام كانت أكثرَ حرجاً ومشقةً من حالتهم يوم الحديبية بما لا يُقاس. إنه الفرق بين قرار “الدعوة” التي انضمّ إليها أوائلُ المسلمين مختارين، وقرار “الدولة” التي صارت مظلة عامة لسكان البلد جميعاً، والثورة مثل الدولة بهذا المقياس.

 

الفرق الثاني بين الدعوة والثورة هو أن الثورة تهدم والدعوة تبني؛ الثورة تنقض بنيان الظلم والاستبداد والفساد فتقيم الدعوةُ محلَّه بنيانَ الحق والعدل والصلاح. الثورة هدفها عام أما الدعوة فلها هدف خاص، فكل أعداء الاستبداد يشتركون في عدائه واستهدافه ويتعاونون على نقضه وإسقاطه، وبعد ذلك يختلفون في تصوّرهم للبديل الجديد، فيدعو كلٌّ منهم إلى مشروعه وتصوره بالكلمة والحكمة والموعظة الحسنة، وكلما أحسن استثمارَ هذه الأدوات كان أقربَ إلى التأثير والنجاح.

 

الثالث هو أن جماعات الدعوة اصطفائيةٌ انتقائية في عضويتها، فهي لا تضم إلا مَن وافقها على فكرتها واستعدّ لاحتمال ضريبة الثبات على المبدأ والصبر على تكاليفه العالية. أما فصائل الثورة فإن عملها هو الجهاد لتحرير البلاد من الاستعباد والاستبداد، ومن خصائص الجهاد أنه رابطة عامة تجمع المتديّنين وغيرَ المتدينين، بل إن شيخ الإسلام ابن تيميّة اعتبر ذلك أصلاً عاماً، فقال في الفتاوى: “من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بَرّ وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم”.

 

*   *   *

 

إننا بحاجة لاستحضار هذه المعاني في الثورة السورية اليوم، فقد أعاق الحرصُ على المناهج والأفكار والتحزبُ للفصائل والجماعات كلَّ جهود الوحدة والائتلاف حتى الآن، وتسبب في عجز بعض الجماعات عن استيعاب المتطوعين للجهاد لاختلاف المستوى وقلّة التديّن، فلم يخسر الجهادُ جنوداً فحسب، بل خسرت الدعوة فرصة تاريخية لنشرها بين الناس، لأن الحاضنة الجهادية تربّي كما تربي الحواضنُ العلمية والدعوية.

 

المشكلتان السابقتان نشأتا بسبب العجز عن إدراك ما بين الدعوات والثورات من فروق، والثالثة الأكبر والأخطر هي تحميل الثورة حملاً ثقيلاً لا طاقة لها بحمله، ممّا أعجزها عن الحركة والمناورة اللازمة للبقاء.

 

إن كثيرين في الجماعات الجهادية يرهقون الثورة عندما يطالبونها بما صنعه الإسلام في أول أمره، حينما تحدى العالمَ وحارب قُوى الكفر جميعاً لتثبيت أساسه ورفع بنيانه. وهذا صحيح، لأنه دين فإنه لا يستطيع أن يصنع غير ذلك، فإما أن يظهر وينتصر ويبقى، وهو ما كان، أو يُهزَم وينحسر ويموت كما حصل في دعوات أكثر الانبياء السابقين. أما الدول الإسلامية التي حملت هذا الدينَ من بعد فقد ناورت وحالفت وحاربت وصالحت، ومرّت بقوةٍ أعانتها على تحقيق الأفضل وبضعفٍ ألجأها إلى التنازل والرضا بالمفضول.

 

إن الدول جزء من واقع دولي معقد لا تملك إلا أن تخضع له جزئياً وتعيش معه ثم تحاول -إذا امتلكت القوةَ الكافية- أن تغيّر قواعده من داخله، أما التغيير من الخارج فلا يكون إلا بحروب هائلة بحجم الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وليس هذا في طاقة أقوى الدول وكُبراها فضلاً عن أضعفها وصُغراها.

 

إن أي ثورة -مهما بلغت من القوة- تبقى أضعفَ من أضعف الدول وأقلها شأناً، فلا قدرةَ لها على تحدّي النظام الدولي الراسخ ولا مصادمته بالقوة الخشنة، بل هي مضطرة إلى استعمال “القوة الناعمة” لتحقيق مصالحها وبلوغ غاياتها بالذكاء والدهاء والمرونة والحكمة والحنكة السياسية، ومن ذلك توسيع مساحة المصالح المشترَكة مع القُوى الحليفة والمحايدة، واستغلال التناقضات بين القوى المتنافسة، وتحييد من يمكن تحييده من الخصوم، والتعامل مع القوى الدولية بحكمة ومرونة تتيح تحقيق أكبر قدر من المصالح ودفع أكبر قدر من المضارّ.

 

*   *   *

 

إن القوى الإقليمية والدولية المعنية بملف الثورة السورية لا تهمها كثيراً (ولا قليلاً) معاناةُ أهل سوريا طالما حفظ النظامُ الذي يحكمها مصالحَ تلك القوى ولم يشكل لها أي إزعاج، وحيث إن نظام الأسد حقق هذه الشروط فقد عاش آمناً في كنف تلك القوى وتحت حمايتها ورعايتها طوال أربعة عقود.

 

وحينما نسعى إلى إسقاط هذا النظام ووراثته فإننا نواجه خيارين علينا أن نختار أحدَهما: إما أن نعترف بأننا نعيش في زمن الاستضعاف الذي يَحلّ لنا فيه ما لا يحل في زمن القوة، ونعترف بهيمنة وقوّة “النظام الدولي” الذي توافقت عليه القُوى الكبرى في العالم واستقرّ بصورته الحالية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فنسعى إلى التوافق معه وتجنّب مصادمته، أو نحاربه ونغالبه، فإذا غلبناه استطعنا أن نفرض عليه الواقعَ الجديد الذي نريد.

 

اسمحوا لي هنا أن أعيد التذكير بفتوى أبي حفص الموريتاني مفتي القاعدة السابق: “إذا كان الإسلام يجيز للفرد أن يأكل ميتة اللحم ليحافظ على حياته عند الاضطرار فإنه يجيز للجماعة أن تأكل الميتة السياسية عند الاضطرار لتحافظ على بقاء الجماعة”.

 

إذا كان الخيار الأول هو الأكثر واقعيةً فإنه يعني أن على الثورة التي تريد إسقاط النظام أن تُقنع دولَ الإقليم بأنها بديل مناسب، وأن تقنع المجتمع الدولي بأنها “خيار آمن” قادر على توفير الحد الأدنى من مصالحه في سوريا، على أن لا يكون ذلك على حساب ديننا ولا على حساب هدف ثورتنا الأكبر: اقتلاع النظام من جذوره (ولا سيما مؤسسته الأمنية) ومنع تسلط الطائفة النصيرية على سوريا وتحكّمها فيها بعد اليوم.

 

لكي نحقق تلك المهمةَ الصعبةَ فإننا بحاجة إلى كثير من المرونة وكثير من “البراغماتية” المنضبطة بالضوابط الشرعية في أوسع اختياراتها وليس في أضيقها. وأنا أعترفُ مقدماً بأن تحقيقها أمر عسير، ولكني لا أراه مستحيلاً، وقد لا يقدر عليه كثيرون (وأنا منهم)، ولكنْ لا بد أن يوجد في أحرار سوريا ومجاهديها من يَجمع بين التقوى والأمانة والنباهة والعلم الشرعي والواقعية السياسية والحرص على البلاد والعباد، فعسى أن يوكَل إليهم تنفيذ هذه المهمة العسيرة. إنها المهمة الصعبة التي ستكلل بالنجاح -إن شاء الله- ثورةً قدّمت تضحيات لن ينساها التاريخ.

 

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على المجاهدون والسياسة: الخاتمة

  1. يقول حازم الميداني:

    كلام الكاتب واقعي و هو لبنة للبدئ من جديد على الاسسس السياسية القويمة ،،، نحتاج لدروس وتدريب في تعلمها و ان طال الزمان .

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s