سقوط تدمر: لماذا الآن؟ وماذا بعد؟

سقوط تدمر: لماذا الآن؟ وماذا بعد؟

محاولة لقراءة عسكرية سياسية

 

مجاهد ديرانية

 

ملخص المقالة: إن انتصارات الثورة الكبيرة الأخيرة في الشمال والجنوب، وتقدّم داعش المفاجئ في تدمر والأنبار، ومؤتمر جنيف الثالث الذي يجري التحضيرُ له منذ عدة أشهر، هذه العناصر الثلاثة مترابطةٌ ويفسّر بعضُها بعضاً، ويمكننا تلخيص العلاقة بينها كما يلي:
 
إن القوى الدولية التي اتفقت في مؤتمر جنيف الأول على حل المشكلة السورية حلاً سياسياً ما تزال مُصرّة على هذا الحل، وهو حل توافقي يقتضي أن يقدّم طرفا الصراع “تنازلات مؤلمة”، بحيث تقبل المعارضة ببقاء النظام ويقبل النظام بمشاركة المعارضة في الحكم.
 
هذا هو الحل الذي حاولت القوى الدولية الوصولَ إليه في مؤتمر جنيف الثاني، ولكن المؤتمر فشل بسبب تصلب الطرفين ورفض كلٍّ منهما تقديمَ أي تنازل، والآن تُعِدّ هذه القوى نفسُها المسرحَ لجنيف الثالث الذي تأمُل أن يتمخض عن حل ينهي الأزمة. وهي تعلم أن المؤتمر لن ينجح إلا إذا وصل إليه طرفا الصراع ضعيفَين مُنهكَين قابلَين للضغط ومستعدَّين للتنازل، ومن أجل ذلك كان لا بد من إضعاف النظام وإنهاكه، وهذا ما حصل على أيدي الثوار الذين حققوا انتصارات كبيرة في الأشهر الأخيرة، ولا بد أيضاً من إضعاف الثوار وإنهاكهم، وهنا يأتي دور داعش التي تشير هذه القراءةُ إلى إنها مقبلةٌ على معركة كبرى مع الفصائل، وقد حصلت على ما يمكّنها من إطلاق معركة بهذا الحجم بعد تقدّمها الأخير في تدمر والأنبار. (نهاية الملخّص)

 

-1-

 

قبل سنة ونصف عُقد مؤتمر جنيف الثاني بهدف إنهاء الصراع في سوريا بحل سياسي يعتمد على مخرجات جنيف الأول، ولكن ذلك المؤتمر فشل لأن طرفَي الصراع، الثورة والنظام، كانا غيرَ مستعدَّين للتنازل والقبول بحل وسطي توافقي. مع بداية العام الجديد، 2015، انطلقت جهودٌ محمومة لإعادة الحياة إلى العملية السياسية، والهدف: مؤتمر جنيف الثالث الذي لم يُعلن عن موعده حتى الآن، بانتظار استكمال اللقاءات التشاورية التي يُراد منها تمهيدُ وتعبيدُ الطريق الوَعِر إليه، والتي تجري في موسكو وباريس والقاهرة والرياض وغيرها من العواصم الدولية.

 

لكن الإعداد لذلك المؤتمر المنشود سيبقى بلا قيمة إذا وصل إليه طرفا الصراع وهُما على درجة من القوة تسمح لهما بالتصلب والإصرار على تحقيق الانتصار، وبالمقابل سوف تزداد فُرَصُه بالنجاح إذا وصلا إليه وهما على درجة من الضعف والانكسار تسمح للقوى الدولية بالضغط عليهما للحصول على تنازلات متبادَلة، وصولاً إلى الحل السياسي التوافقي المطلوب. فكيف يمكن تحقيق ذلك؟

 

-2-

 

إنّ جيشَ الثورة -بفصائله ومكوّناته المختلفة- قادرٌ على إلحاق هزائم حقيقية بنظام الأسد المتهالك، فقط لو أتيح له القدر الكافي من الأسلحة والذخائر، فإذا سُمح بوصولها إليه فسوف يتقدم بسرعة ويضغط على النظام، وهذا ما كان.

 

وهكذا تحققت انتصارات عظيمة مباركة أوصلت النظام إلى درجة من الضعف تُفرح قلوبَ أهل الثورة وأحرار سوريا، وتسمح للمجتمع الدولي بالضغط على النظام للحصول على التنازلات المطلوبة. ولكن المعادلة الجديدة لا تحقق الهدف المنشود، فما يزال أحدُ الطرفين قوياً، أعني القُوى الثورية المسلحة، بل إنها ازدادت قوةً وصارت أبعدَ عن الرضوخ لضغطٍ لم ترضَخْ له وهي أقل قوة. فماذا ستصنع القوى الدولية التي تدير الملفّ السوري، وكيف ستُضعف قُوى الثورة لتوصلها إلى درجة تستطيع معها إلزامَها بالحل السياسي التوافقي (الجائر) الذي تريد فرضه في سوريا؟

 

إنه الجواب الحاضر دائماً: داعش. هنا يأتي دور هذا الكيان المشبوه الذي استُعمِل بنجاح في الحالات الصعبة السابقة كلها، في سوريا والعراق، من تدمير الحراك السنّي الشعبي العراقي إلى سرقة وتخريب الإنجازات الثورية في الشام. ها هو الحاوي يُخرج أفعوانه ذاته مرة أخرى، وكما سلّموه مئات الأطنان من السلاح والذخيرة في الموصل العامَ الماضي لضرب الثورة وتدمير انتصاراتها، فكذلك يفعلون اليوم في الرمادي، ويسلّمونه مزيداً من الأسلحة والذخائر لضرب الثورة السورية من جديد.

 

إذا صحّت هذه القراءة (وأتمنى أن أكون مخطئاً فيها) فسوف تبدأ داعش خلال أسابيع هجوماً كبيراً على عدة محاور: حلب (ريفاً ومدينة) وإدلب والريف الحمصي الشرقي والقلمون، ولا يستبعد وصولها إلى الغوطة الشرقية وحوران.

 

-3-

 

كلما أُريدَ لداعش أن تقوم بعمل كبير ضد الجهاد الشامي فُتحت لها مستودعات السلاح في العراق وسُمح لها بالاستيلاء على كميات مرعبة منه. في العام الماضي سُلِّمت الموصل لداعش بكل ما فيها من مخازن ومعسكرات للجيش العراقي، فاستثمرت ما غنمته منها في قتال مجاهدي الشام وأكملت احتلال المنطقة الشرقية، من البوكمال إلى الراعي وأخترين. وها هي اليوم تُسلَّم مستودعات الذخائر والسلاح في الرمادي، ومعها خزائن السلاح التي تركها نظام الأسد سليمة في تدمر ولم يدمرها كما يفعل في كل منطقة ينسحب منها أمام الثوار.

 

حتى لو قبلنا تفسير سقوط الموصل بيد داعش قبل عام على أنه بسبب المباغتة وعدم الاستعداد (وهذا غير صحيح، فقد بات معروفاً لكل الناس أن المالكي سلّم الموصل لداعش يداً بيد) حتى لو قبلنا ذلك التبرير الساذج لسقوط الموصل فكيف نقبله في حالة سقوط الرمادي؟ كيف وأعداء داعش (الافتراضيون) يحلّقون بألف طائرة في السماء ويدبّون بمئة ألف عسكري على الأرض، والهجوم متوقع منذ شهور؟

 

بعد سقوط الرمادي بيومين نشر يارون فريدمان، محلل شؤون العالم العربي في جريدة “يديعوت أحرونوت” العبرية، نشر مقالة قال فيها: “إن فرار الضباط من الرمادي وترك المؤسسات الحكومية في المدينة على ضوء تهديد قوات “الدولة الاسلامية” يذكّرنا جيداً بالفرار من الموصل قبل سنة. يبدو أن هؤلاء الضباط لم يتركوا مواقعهم رغبة منهم، بل هم تلقّوا تعليمات مباشرة بالانسحاب”.

 

-4-

 

والآن ما هو الهدف؟ الاحتمالات متعددة، قد يتحقق بعضُها وقد تتحقق جميعاً. ربما انطلقت داعش من تدمر غرباً إلى الفُرقلس، وغالباً ستكون تلك هي آخر نقاط تقدمها باتجاه حمص، لأن المدينة نفسها ما تزال عليها من المحرَّمات، وعندما يكون موقعٌ من المواقع محرَّماً على داعش فإن حصولها عليه من عاشر المستحيلات، كما رأينا في كوباني التي لا تكاد تُذكَر من حيث الأهمية وقوة التحصين مقارَنةً بتدمر التي تُعتبر ثكنةَ سلاح هائلة، وكما نرى في الحسكة التي تتراجع فيها داعش تحت ضربات طيران التحالف، والتي لم تتغير خريطةُ توزيع القوة والنفوذ فيها منذ خمسة عشر شهراً إلا بأقل القليل، فيما شهدت سائر مناطق سوريا تغيرات كبيرة في خرائط النفوذ بين النظام وداعش والثورة خلال السنة الأخيرة.

 

من الاحتمالات المقلقة توجه داعش إلى القريتين، لتتوغل بعدها في القلمون الشرقي فتطعن مجاهدي المنطقة وتخفف الضغط عن النظام وحالش. ومنها توجه داعش إلى ريف حمص الشمالي واحتلاله والثأر لعصاباتها التي هُزمت في المنطقة أخيراً. ومنها التوجّه إلى الضمير، ويبدو هذا الاحتمال قوياً بعد سقوط خنيفيس (وفيها أهم مناجم الفوسفات في سوريا) بحيث صار الطريق مفتوحاً إلى البصيري، ومنها إلى خان أبي الشامات ثم الضمير. ويغلب على الظن -إذا اتجهت داعش بهذا الاتجاه- أن يسهّل لها النظام احتلال الضمير، لأنها ستتمكن عندئذ من خنق الغوطة الشرقية وتحقيق ما عجز النظام عن تحقيقه طوال ثلاث سنوات، من كسر الغوطة وإخضاعها لا قدّر الله.

 

وقد تحاول داعش احتلال السلمية، وفي هذه الحالة لا نستبعد إنتاج نسخة سورية من مأساة الأزيديين في جبل سنجار في العراق، سيكون الإسماعيليون ضحيتَها هذه المرة، وقد تتسبب -في أسوأ الاحتمالات- في تدخل بري غربي سافر بذريعة حماية الطائفة الإسماعيلية من الإبادة. هذا احتمال مستبعَد حالياً، ولكنه أحد السيناريوهات الممكنة والمقلقة للثورة السورية.

 

ومنها محاولة السيطرة على الريف الحموي الشرقي والشمالي ثم التوجه إلى مدينة حماة نفسها، وقد تسعى داعش إلى تحقيق أكبر الانتصارات المعنوية في الثورة على الإطلاق إذا استطاعت دخول المدينة وطرد قوات الاحتلال الأسدي منها. وقد يساعدها على تحقيق هذا الهدف وجودُ قبول لها بين بعض كتائب حماة، وربما أيضاً بين كثيرين من أبناء المدينة، ربما لأنهم لم يتعرفوا حتى الآن على حقيقتها ولم يذوقوا شيئاً من ويلاتها التي عانت منها المناطق الأخرى، وذلك بسبب عزلة حماة النسبية خلال السنة الأخيرة.

 

أكثر التوقعات إزعاجاً هو إطلاق هجوم كبير على إدلب المحررة، وتكرار مأساة محافظتَي الرقة ودير الزور اللتين سرقتهما داعش من الثوار بعدما بذلوا في تحريرهما كرائمَ الأنفس والتضحيات.

 

-خاتمة-

 

ما سبق هو محاولة لقراءة المشهد الحالي للثورة السورية سياسياً وعسكرياً، وهي قراءة قد تكون صحيحة وقد لا تكون، ولكن المهمّ -في كل الأحوال- أنها ليست وصفاً لمآلات جَبرية لا بد من حصولها، فإذا كان ما توقعَتْه القراءةُ صحيحاً فإن إدراكه المبكر من شأنه أن يوفر قدراً كافياً من الوقاية رجاءَ عدم الوصول إلى النهايات الصعبة المتوقعة.

 

إن الحل الوحيد لهذا التحدي الخطير هو وضع إستراتيجية شاملة لقتال داعش في جميع مناطق سوريا وعدم التفريق بين قتالها وقتال حالش والنظام من حيث الأهمية والخطورة، فإن من أخطر ما يمكن أن تتعرض له الثورة حالياً أن تنجح داعش في اختراق دفاعات الثورة في أي جبهة من الجبهات، لأنها سوف تتدفق بقوّة عبر أي ثغرة تنجح في فتحها لا قدّر الله.

 

حينما بدأتُ بكتابة هذه المقالة قبل ثلاثة أيام كان الوضع أفضلَ مما هو عليه الآن، فقد بدأت داعش اليوم بهجوم مقلق على صوران في الريف الحلبي وصار الوضع في مارع وإعزاز مقلقاً جداً. لا بد من وضع خطة عاجلة لوقف هذا الهجوم، ولا بد من وضع خطة محكمة لتحرير الريف الحلبي الشمالي كله ودفع داعش غربَ العاصي. على غرفة عمليات حلب التي شُكِّلت أخيراً أن تؤجّل معركة حلب وتتجه إلى الريف، وربما كان مناسباً أن يتمّ إنشاء غرفة عمليات خاصة بقتال داعش لمؤازرة الجبهة الشامية وفصائل الريف الشمالي الضعيفة.

 

إذا تأخرنا أو تقاعسنا في التحرك السريع فأخشى أن تأكل داعش انتصاراتنا الأخيرة كلها كما أكلت انتصاراتنا الأولى، وأن نذهب إلى جنيف راكعين مستسلمين لا قدّر الله. أخشى أن نعجز عن إدراك الخطر أو نخفق في الاستجابة ثم نندم في يوم لا ينفع فيه الندم. أخشى أن يأتي يوم نقول فيه: ليتنا تحركنا قبل فوات الأوان.

 

 

هذا المنشور نشر في داعشيات, رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s