كيف نقاتل الدواعش؟

كيف نقاتل الدواعش؟

هل نبدؤهم بالقتال؟ وهل نقتل المُدْبر والجريح والأسير؟

 

مجاهد ديرانية

 

خلاصة المقالة: اختلف أهل العلم في بدء البغاة والخوارج بالقتال وفي قتل أسراهم والإجهاز على الجرحى، والصحيح أن الحكم يختلف باختلاف حالتهم: هل لهم شوكة وجماعة أم أنهم أفراد مشتَّتون متفرقون؟ فإذا كانوا متفرقين فإنهم يُترَكون، وإذا قاتلونا فُرادى أشتاتاً ردَدْنا عدوانَهم ولم نتّبع مُدبراً ولا قتَلْنا أسيراً ولا أجهزنا على جريح. أما إذا تجمّعوا وصارت لهم شوكة (أي قوة تمكّنهم من العدوان) فعندئذ يتعيّن البدءُ بقتالهم قبل أن يبدؤونا هم بالقتال، ويجوز الإجهاز على المدبر والأسير والجريح، لأن الواحد من هؤلاء إنْ سَلِمَ عاد إلى جماعته فازدادت به قوةً وزاد شرُّها على المسلمين.

 

-1-

 

مضى زمان كان قتال الدواعش فيه ملتبساً على الناس: أهو قتال فتنة ممنوع أم قتالُ دفع مشروع؟ ثم ساعدتنا داعش على نفسها حينما أسرفت في الغدر والبغي والإجرام وأثبتت على نفسها تلك الجرائمَ كلها كِبراً وضلالاً، فلم يعد لمتردد عذر، ولا يترك قتالَها اليومَ إلا أحمقُ أو جبانٌ أو خائنٌ معلومُ الخيانة.

 

لقد صار قتال داعش واجبَ الوقت بلا منازع، وأدركت الغالبيةُ العظمى من مجاهدي الشام ضرورةَ قتالها لدفع شرّها وضرّها واتقاء أذاها العظيم، ولكن بقيت مسألتان يكثر عنهما السؤال، وهما من رؤوس المسائل في قتال القوم: هل نبدأ الدواعش بالقتال ولو تركونا حيناً فلم يقاتلونا؟ وإذا وقع القتال بيننا وبينهم فما حكم مُدبِرهم وجريحهم وأسيرهم: هل يُقتَلون أم يُعفى عنهم ويُترَكون؟

 

-2-

 

نبدأ بتقرير الوصف الصحيح للدواعش: هل هم بغاة أم مفسدون أم خوارج؟ فأما البغي فقد انتهينا منه منذ زمن بعيد، فقد صنّفناهم كذلك في أول أمرهم لمّا بدؤوا بالبغي والعدوان على جماعات المجاهدين في أواسط عام 2013، فدعَوناهم إلى التحكيم وإلى شرع الله، فرفضوا وأصرّوا على البغي، فدعونا إلى قتالهم قتال البغاة.

 

ثم قطعوا الطرق على المجاهدين فأسروا منهم وعذّبوا وقتلوا كثيرين، وهاجموا الفصائل فسرقوا السلاح، واستولوا على المشافي ومستودعات الإغاثة فنهبوا الأغذية والأدوية والمعدات، فاستحقوا حَدّ الحرابة ودعَونا إلى قتالهم قتال المحاربين المفسدين.

 

ثم لم يتركوا فصيلاً في الشام إلا حكموا عليه بالردة والكفر وقاتلوه قتال الكفار والمرتدين، فحكمنا عليهم بالخارجيّة ودعونا إلى قتالهم قتال الخوارج، فإنّ أظهر صفات الخوارج هي تكفير المسلمين وتقديم قتالهم على قتال الكَفَرة والأعداء الأصليين.

 

وبهذا جمعت داعش بين صفات الغلاة الخوارج والبغاة المعتدين والمحاربين المفسدين، ووجب قتالُها كما يقاتَل هؤلاء جميعاً. فكيف يقاتَلون؟

 

-3-

 

أثبتت مئات التجارب المريرة أننا لو لو دفعنا صيالَ أولئك القوم الغَدَرة الفَجَرة وعدوانَهم فحسب فإنهم يعيدون تجميع أنفسهم ويستعيدون قوتهم ويعودون إلى القتال، وقد صنعوا ذلك في الحرب الكبيرة معهم قبل سبعة عشر شهراً، يومَ تقهقروا من جبهات إدلب وحلب والساحل وريف الزور وانسحبوا إلى الرقة، ثم لم يلبثوا أن جمعوا قوتهم وفُتحت لهم خزائن المال ومستودعات السلاح في العراق، فنقلوها إلى سوريا، وما لبثوا أن شنّوا علينا هجوماً كبيراً استرجعوا فيه ما حرّرناه منهم وأخذوا فوقَه المزيد.

 

لقد رأينا أن الذين عفونا عنهم من أسراهم والذين عالجناهم من جرحاهم والذين سمحنا لهم بالانسحاب منهم عادوا علينا بجيوش الغدر وضربونا بالمفخخات، فثَمّ علمنا أننا ندفع ثمن مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، الذي لم يأمرنا بقتالهم فحسب، بل أمرَنا بقتلهم ورغّبَنا فيه وحثّنا عليه، فقال في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري: “فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجرٌ لمن قتلهم يوم القيامة”. كذا قال بصيغة الأمر الجازم “فاقتلوهم”، وليس “قاتلوهم” حتى تدفعوا صيالهم وعدوانهم فحسب. وكذا قال: “أينما لقيتموهم”، أي في أي مكان سواء أقاتلوكم أم لم يفعلوا. وقال صلى الله عليه وسلم (في الحديث الصحيح المتفق عليه): “لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد”، فذكر قتل عاد بمعنى قتل الاستئصال والإفناء.

 

أيها المجاهدون الكرام في أرض الشام: لقد علّمنا نبينا عليه صلاة الله وسلامه كيف نقاتلهم، فلم نفعل ولم نتعلم الدرس، حتى دفَعْنا في سبيل فهمه وتعلّمه مئات ومئات من الشهداء الكرام، قُتلوا غدراً وهم في الرباط وقُتلوا غيلة وهم في الصلاة رُكَّعٌ وسجود.

 

-4-

 

إن ابتداء الدواعش بالقتال واجبٌ من أوجب الواجبات، لأنهم إن تُركوا ازدادوا قوة وصاروا أقدرَ على العدوان، وهم مستعدون أبداً لقتالنا ولن يستقرّ لهم قرار حتى يقتلونا عن آخرنا، لأن قتلنا واستئصالنا عندهم دين، وهو طريقهم إلى الجنة كما تُصوّر لهم عقولهم المريضة! فإن لم نبدأهم بدؤونا، وإذا تركناهم اليوم ونحن قادرون عليهم فنحن في الغد الضحيةُ الحتمية لغدرهم وعدوانهم لا محالة.

 

بناء على هذا الفهم الدقيق للمسألة ذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى أن البغاة يُهدَر دمهم ويجوز قتالهم من وقت تجمعهم وامتناعهم ولو لم يبدؤوا بالقتال أو الاعتداء. نقله صاحب “التشريع الجنائي في الإسلام” عن “البحر الرائق” و”بدائع الصنائع” و”شرح القدير”. وعند مالك والشافعي وأحمد -كما في “المهذب” و”مواهب الجليل و”الإقناع”- أن البغاة دمهم مهدور إذا بدؤوا بالقتال أو الاعتداء، ولَعمر الله لقد بدأتنا داعش بالاعتداء والقتال منذ أكثر من عشرين شهراً ونحن متورعون عن قتالها الورعَ البارد السّمِج السخيف.

 

في الطبقات الكبرى لابن سعد أن علياً قال: “ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألاّ أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلّت بنا”. يريد أنه لم يبدأها بالقتال، وإلا فإن قتاله لهم معلوم.

 

-5-

 

أما أسراهم وجرحاهم والمُدبرون المنسحبون فإنهم إنْ تُركوا كانوا مشاريعَ مفخخات آتية، وكم تجرعنا في الشام من غدر الذين عفونا عنهم فعادوا إلى العصابة فازدادت بهم قوةً واستأنفت الحرب على المسلمين. لذلك كان الحكم الصحيح هو قتل أولئك الناس جميعاً حتى تنكسر شوكة جماعتهم وتسقط دولتهم المزعومة.

 

قال الموفق في “المغني”: “الصحيح أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء والإجهاز على جريحهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم ووعده مَن قتلهم بالثواب”. ونقل عن أبي حنيفة أنهم إذا هُزموا ولا فئةَ لهم لم يُقتَلوا، لكن يُضربون ضرباً وجيعاً ويُحبَسون حتى يُقلعوا عمّا هم عليه، وإن كانت لهم فئة يلجؤون إليها جاز قتل مُدبرِهم وأسيرهم والإجهاز على جريحهم. قال: ويُروَى عن ابن عباس نحوُ هذا، واختاره بعض أصحاب الشافعي. قال: “لأنه متى لم يقتلهم اجتمعوا ثم عادوا إلى المحاربة”.

 

وقال السرخسي في المبسوط: “وإن كانت لهم فئة فلا بأس بأن يُقتل أسيرهم، لأنه لم يندفع شره إلا لأنه مقهور، ولو تخلص انحاز إلى فئته (أي لعاد إلى القتال). وكذلك لا يُجهَز على جريحهم إذا لم تبقَ لهم فئة، فإن كانت باقية فلا بأس بأن يُجهَز على جريحهم، لأنه إذا بَرِئَ عاد إلى تلك الفتنة والشر بقوة تلك الفئة، ولأن في قتل الأسير والتجهيز على الجريح كسر شوكة أصحابه”.

 

وقال ابن تيمية في “الفتاوى”: “هؤلاء إذا كانت لهم طائفة ممتنعة فلا ريب أنه يجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم والإجهاز على جريحهم”. وداعش اليوم طائفة ممتنعة، فصار هذا الحكم فيهم هو أصح وأحكم الأحكام.

 

وهكذا نرى من أقوال الفقهاء أن العلّة في قتل المدبر منهم والأسير والجريح ليست الرغبةَ في القتل كما هو شأن أولئك الغلاة الذين يستمتعون بقتل المسلمين والشرب من دمائهم (كما قال ذات يومٍ كبيرُهم الذي علمهم السحر، العدناني الخبيث أهلكه الله) بل العلّة هي دفع أذاهم وشرهم الذي يستمر باستمرار شوكتهم. فصار من أوجب الواجبات قتل كل من يُقدَر عليه منهم، سواء أكان مقاتلاً مُقبلاً أو منسحباً مُدبراً، سليماً أو مصاباً، حُراً أو أسيراً. ويستمر هذا الحكم ما دامت لهم شوكة ومنعة، فإذا انهارت دولتهم المزعومة وتفرقوا أفراداً عُزْلاً فلا يُتابَعون ولا يُقتَلون ويُطلق الأسرى والجرحى، لأن ضررهم انحسر بانكسار الجماعة وذهاب الريح.

 

-6-

 

لقد رأينا في سوريا من أهوال هذه الجماعة الخبيثة ما زادنا إيماناً بصدق نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه ما حذّرنا من أحد كما حذرنا منهم، حتى ولا الرافضة الذين أثخنوا في أهل الإسلام، ربما لأن أولئك أمرُهم ظاهر وهؤلاء أمرهم خفيّ، حتى لَيَضِلّ فيهم كثيرون من أهل الإسلام.

 

ولأننا رأينا من داعش تلك الأهوال التي لا توصف فقد استطعنا أن نفهم وصية النبي عليه الصلاة والسلام بقتالهم وقتلهم قتل الاسئصال، قتل عاد وثمود. نعم، ما كنا لنفهم هذا الحديث العجيب لولا أنْ أبقانا الله حتى نشهد فتنة داعش، فلمّا شهدناها علمنا أن النبي صلى الله عيه وسلم ما حذرَنا من هذه الفئة الضالة إلا لأنّ فناء الأمة يكون علي يدها لو أنها تُركت وشأنها.

 

ولو كان الأمر مخالفة في الاعتقاد لما نشأ هذا الخطر ولا وجب القتال. لو أن الخوارج ارتأوا رأياً في العقيدة وحَدّوا حدوداً للكفر والإيمان ثم اعتزلوا لتُركوا أو نوقشوا فكرة بفكرة، ولكنهم لا يفعلون، فإن عقولهم الرديئة ونفوسهم المريضة تأبى عليهم إلا قتال أهل الإسلام وتقديمه على قتال أهل الكفر وعبَدَة الأوثان.

 

-7-

 

ختاماً أقرر قاعدة مهمة: لا يمكن استئصال هذا الفكر، فإن الأفكار لا تموت، ولا يمكن استئصال أتباعه بالكلّية، فإنهم ما يزالون يَنبُتون في كل جيل بعد قطعهم في الجيل الذي سبق، كما جاء في الحديث: “كلما خرج منهم قرن قُطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم”. فنحن لسنا مأمورين بقتل الدواعش جميعاً، ولا يمكن، ولكننا مكلفون ومأمورون شرعاً وعقلاً باستئصال شوكتهم واقتلاع شجرتهم الخبيثة من الأرض.

 

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على كيف نقاتل الدواعش؟

  1. قام بإعادة تدوين هذه على غَرَب سوري.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s