الإصلاح بالدعوة لا بالسلاح

الإصلاح بالدعوة والإقناع لا بالقوة والسلاح

مجاهد ديرانية

لجأت بعضُ الجماعات التي “تحكم” بعضَ الأرياف في المناطق المحررة إلى استغلال قوّتها واستعراض سلطانها على الناس، فأصدرت قراراً بمنع التدخين ومنع بيع الدخان، ثم قامت بملاحقته والقضاء عليه بالمصادرة والتحريق.

والتدخين عادة قبيحة لا ينبغي لعاقل أن يعبّد نفسَه لها، فإن المدخن يحرق ماله ويقتل نفسه، ولأنه ثبتَ ضررُه بتفاوت بين الناس فقد اختلف العلماء فيه بين الكراهة والتحريم. فلا ريب أن المجتمع الصالح المتحضّر سيحرص على تخليص أفراده من هذه الآفة وإنتاج مجتمع خال من التدخين، ولكن هل يكون تنظيف المجتمع من الدخان بالقوة والإكراه؟

هذا عمل تَقْدر عليه أيُّ جماعة تملك السلاح، أيْ أن المناطق المحررة كلها يمكن أن تصبح خالية من الدخان. ولكنّ السلاحَ لن يبقى في أيدي الناس إلى الأبد. ذات يوم (قريب إن شاء الله) سيسقط النظام، وسوف تصبح سوريا دولة مستقلة مستقرة حرة ذات سلطة مركزية واحدة. عندئذ ستختفي الجماعات المسلحة وينحسر السلاح من المناطق المحررة، فهل سيستمر سكانها في ترك التدخين والامتناع عن بيع الدخان بعد انحسار القوة التي حملتهم على تركه بالقَسْر والإكراه؟ هذا هو السؤال الذي يبنغي أن يهتمّ بجوابه العقلاء والمصلحون.

*   *   *

سألت ذات يوم أحد الغربيين عن مسألة شغلت ذهني طويلاً، قلت: لماذا ترك أكثرُ الناس في بلادكم التدخينَ ولم يتركوا معاقرة الخمور؟ أليس الضرر متحقّقاً فيهما جميعاً؟ قال: لم يحاول أحدٌ أن يقاوم الخمور لأنها جزء من الثقافة الاجتماعية للمجتمعات الغربية، أما التدخين فقد تعرض إلى حملات إعلامية مركّزة لسنوات طويلة أوصلت الناسَ إلى قناعة ذاتية بضرره فتخلَّوا عنه طوعاً، واتسعت هذه الثقافة وانتشرت حتى صارت ثقافةَ الأغلبية، ففرضوها على الأقلية المدخنة، وصار التدخين ممنوعاً بالقانون في الحافلات والطائرات والقطارات والمطارات وغيرها من الأماكن العامة.

هذه هي كلمة السر: “وصل الناس إلى قناعة ذاتية بضرره فتخلوا عنه طوعاً”، أي أن القوانين القسرية لم تطبَّق إلا على الأقلية التي خالفت الرأي العام، والرأي العام لم ينشأ بقوة القانون بل بقوة الفكر والإقناع. وقد صنعَت ذلك عندهم أجهزةُ الإعلام، أما عندنا فإنها مسؤولية الدعاة والعلماء والمربين والمفكرين والمصلحين.

*   *   *

إننا نتأكد مرة بعد مرة أن الدعوة هي الطريق إلى الحياة الأخلاقية الإسلامية الصحيحة، ولقد قلتها من قبل ولن أمَلّ من تكرارها: لا حاجة لنا بإسلام يأتي بالقهر والاستبداد، فإن القوة التي تفرضه تزول ذات يوم فيزول التدين معها ويعود الناس إلى حال أسوأ من الذي كانوا عليه، أما القناعة فإنها تبقى ويبقى معها الدين.

نريد أن يصل المسلمون اليوم إلى ما وصل إليه المسلمون بالأمس، حينما حرّم الله الخمر فأهرقوه حتى سالت منه جوانب الطرق في المدينة. لم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم الشُّرَط والحرس يدورون على المتاجر والبيوت ليمنعوا بيع الخمر وشربها، ولم يُصدر فرمانات ولا أنذر بعقوبات. لقد ربّى الإيمانَ في نفوس الناس وزرع في قلوبهم خوف الله، ثم أخبرهم بما أحل الله لهم وما حرّم عليهم، فاستجابوا -بأغلبيتهم ومجموعهم- لقانون الإسلام وكانوا هم الحرّاس على حمايته وتطبيقه.

متى يدرك الدعاة والمصلحون أن هذا هو الطريق؟

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s