لا تنسوا أطفالَ المعتقَل وأطفال الشهيد في هذا العيد

كان العيد في الزمن القديم سخيّاً بالسعادة موفوراً بالفرح، على ما كان فيه من بساطة وسذاجة، وكانت أيامه -ونحن أطفال صغار- أعظمَ أيام العمر بهجةً في ميزاننا المتواضع، الذي لم تُثقله الرغبات الطامحة ولم تُفسده الخيالات الجامحة التي صارت سمة غالبة في هذا الزمن الأخير.

كانت سكاكر العيد التي تشتريها أمي من “البزورية” أفخمَ وألذَّ الأطايب في الدنيا، وما تزال ذكرى طعومها اللَذّة في فمي أطيبَ من أفخم الحلويات والشكلاطات المستوردة التي تباع اليوم في أرقى المتاجر وتحمل أشهر الأسماء.

كانت ساعةٌ واحدة بين الأراجيح (التي كانوا ينصبونها أيامَ العيد في أول طلعة الشطا على سكة المهاجرين) أفخمَ في أعيننا من يوم كامل يقضيه أطفال اليوم في مدن الملاهي العِظام. وماذا كانت آلات ذلك الزمان؟ أراجيح وقلاّبات ودُوّيخات صغيرة متواضعة تُدار باليد، لا تكاد أكبرها تتسع لأكثر من عشرة أطفال!

وكان مصلح البوابير على السكّة يُخلي دكانه ويصفّ فيه كراسيّ صغيرة من القش ليس لها ظهر، فنقعد عليها ونشاهد مقاطع تمثيلية قصيرة يقدمها صاحب الدكان مع بعض رفاقه، تمثيليات تصوّر بطولات عنترة أو تقلّد سخافات غوّار، فيضحّي الصغير بفرنكين من العيدية ويقعد تلك القَعدة المتعبة فيشاهد تمثيلاً سمجاً لا روح فيه، ولكنه يخرج مع ذلك رَضِيّ النفس خَلِيّ الفؤاد.

*   *   *

حينما أتذكر تلك الصور (وقد مضت عليها خمسون سنة) أقول لنفسي: ما أسهلَ إرضاء الأطفال وما أيسرَ إدخالَ البهجة والسرور إلى قلوبهم! كم الفرقُ كبيرٌ بين صغير يُفرحه أيّ شيء وكبير لا يكاد يفرحه شيء! فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلاً، ألا ترون أنه يحمّلنا -نحن الكبار- مسؤوليةً هائلة تجاه الصغار في هذا الزمان العصيب الكئيب؟

لقد ضربَت المحنةُ أرض الشام حتى ما تجد فيها شارعاً إلا وفيه بيتُ معتقَل أو شهيد، فمَن سيُدخل الفرحة على قلوب أولئك الأطفال الذين يُمضون العيد بلا آباء؟ أنتم يا قرّاء هذه المقالة، أنتَ وأنتِ أيها المحسنون الكرام.

إذا أخذتم أولادكم غداً إلى السوق أو إلى حفل العيد فخذوا معكم أولادَ المعتقل وأولاد الشهيد. لن يَثقل حِملُكم إذا أضفتم إلى بضعةِ أولادٍ بضعةً مثلهم، ولن يَعجز مَن أخذ إلى حفل العيد خمسةً أن يأخذ معهم خمسة آخرين. أركِبوهم في مراكب العيد واشتروا لهم من ألعاب العيد وأطعموهم من حلويات العيد، أشعروهم أنّ هذا اليوم عيد، اطبعوا البسمة على الشفاه المحزونة وازرعوا الفرحة في القلوب المكلومة، واستخرجوا السعادة من وسط الهموم والكربات.

*   *   *

حتماً سيفرح أولئك الصغار وسوف ينسَون في هذا اليوم آلامَ وأحزان سائر الأيام، ولكنْ ألا أدلّكم على مَن هو أعظمُ منهم فرحاً وسعادة؟ إنه أنت يا أيها المحسن المجهول وأنت يا أيتها المحسنة الكريمة، فإني ما عرفت في الدنيا لَذّةً أعظمَ من لذة إدخال الفرح على قلب طفل محزون. ولَمَا أعَدّ الله لكم في دار البقاء من الأجر الكبير خيرٌ وأبقى بإذنه الكريم.

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح, أحاديث من القلب, خواطر ومشاعر وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s