سألوني عن جبهة النصرة (5)

سألوني عن جبهة النصرة

مجاهد مأمون ديرانيّة

-5-

الأمر الثاني الذي نطلبه من جبهة النصرة هو أن لا تقاتل أيَّ فصيل بأي ذريعة، وإذا كان لها حَقٌّ فإنها تستوفي حقَّها عن طريق القضاء الشرعي المستقل، وإذا عجز القضاء عن استيفاء الحق فلَتنازُلها عنه أهونُ من إراقة الدماء وقتل الأبرياء، فما كان لقتالٍ عامّ أن ينتهي بتحصيل الحق المجرد، بل لا بد فيه من تجاوزٍ بالباطل وهدرٍ لدماء الأبرياء.

وليس معنى هذا أنّ قتالَ الفصائل ممنوعٌ مطلقاً، فقد دعونا إلى قتال داعش منذ أن كانت داعش فصيلاً صغيراً باغياً معتدياً على سائر الفصائل، وما زلنا ندعو إلى قتال داعش ليلاً ونهاراً وسرّاً وجهاراً وإلى استئصال شجرتها الخبيثة من الأرض. ودعونا إلى قتال فصيل شهداء اليرموك الداعشي في درعا وطالبنا بتفكيك فصيل جند الأقصى الداعشي في إدلب، وسوف نستمر بالدعوة إلى قتال كل فصيل مستحق للقتال تحقيقاً لمصلحة الجهاد والعباد والبلاد.

في سوريا اليوم مئاتٌ ومئات من الفصائل الكبيرة والصغيرة التي تحمل السلاح، فربما استغل بعضُها القوةَ التي يملكها فظَلمَ وأفسد وطغى، أو اعتدى على غيره من الفصائل وبغى، فهل يُترَك أم يؤخَذ على يديه ويُمنَع من الإفساد والطغيان والبغي والعدوان؟

إنّ قتالَ الفصائل واجبٌ في حالتين: في حالة الاعتداء على المدنيين وقطع الطرق والخطف والقتل والإفساد، فمَن صنع ذلك فإنه يُقاتَل قتالَ المفسدين المحاربين ويُقام عليه حدّ الحرابة إذا قُدِر عليه قبل التوبة. هذه هي الحالة الأولى، والثانية هي حالة البغي: إذا بغى فصيلٌ على فصيلٍ فاعتدى عليه بالسلاح واحتل مقراته وصادر أسلحته وقاتل مقاتليه. هذه الحالة تستوجب القتال لرد البغي والعدوان بنص القرآن: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}.

لكنّ للقتال في الحالتين السابقتين ضابطاً مهماً، هو أن يكون قرارُ قتال الفصيل المفسد أو الباغي باتفاق الفصائل الكبرى المعتبَرة في المنطقة، لكيلا يتحول القتال بذريعة ردّ البغي إلى عدوان وتصفية حسابات وصراع على النفوذ. وأن يصدر هذا الحكم عن محكمة شرعية محايدة مستقلة متّفَق عليها، وليس عن محكمة الفصيل المقاتِل، فإن السلطة القضائية لا بد أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية، ولا يصحّ أن يكون القاضي هو الجلاد.

إنّ العصمةَ من الظلم والخطأ متحققةٌ في الجماعة الكبيرة، ولا يمكن أن تخلو الجماعاتُ الصغيرة والفصائل من هوىً وتحزّبٍ ومنافسة ستكون سبباً في تحويل الجهاد إلى غابةٍ لو غابَ هذا الضابط. من هذا الباب كان انتقادنا لجبهة النصرة حينما حاربت معروف وحزم وبقية الفصائل، وهو انتقاد لم يفقَهْ مغزاه كثيرون ولا أدركوا أبعادَه الكبيرة وضرره الهائل على جهاد الشام.

خلال عشرة أشهر قامت جبهة النصرة منفردةً بغزو اثنَي عشر فصيلاً وتفكيكها بحجة البغي والصحوات، ولم يصنع ذلك أحدٌ غيرَها إلا داعش. فهل يجوز شرعاً أن ينفرد فصيل بقرار قتال فصيل بمثل هذه الذرائع المطاطة؟ لقد أمرَ ربُّنا تبارك وتعالى بقتال البغاة بلفظ “قاتلوا”، وإني قرأت كل ما وصلتُ إليه من تفاسير فما وجدت أحداً من المفسرين يقول إن جبهة النصرة هي المَعنية بهذا الخطاب، بل المقصود به جماعة المسلمين، سواء أكان لهم إمام أم لم يكن لهم إمام.

لو أجزنا للنصرة أن تصفّي حساباتها بقوة السلاح لوجب أن نُجيز ذلك للفصائل جميعاً، فبأيّ حق نمنح النصرة هذا الحق ونحرم منه الآخرين؟ ولو سلكت الفصائل كلها المسلكَ الذي سلكته النصرة (وما تزال تسلكه) لصارت سوريا نسخة من الصومال الحديث أو من جاهلية العرب القديمة: أشتاتاً متقاتلين.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s