سألوني عن جبهة النصرة (6)

سألوني عن جبهة النصرة

مجاهد مأمون ديرانيّة

-6-

الأمر الثالث الذي نطلبه من جبهة النصرة هو الاعتدال في الدين والتبرؤ من الغلو. ولعل الجبهة تردّ علينا فتقول: أين نحن من الغلو؟ ألا تلاحظون الفرق بيننا وبين داعش؟ وجوابنا أن الغلو درجات، فإن تكن داعش بلغت به الغايةَ فإن غيرها قد يتلبّس به بما هو دونَها، والنصرة استقَتْ من الأصل الذي استقت منه داعش، فلا غرابةَ أن تتلبّس بشيء من الغلو المذموم.

من أعظم مظاهر الغلو التي ننتقدها على النصرة التهاون في التكفير، وتحويله من مسألة يختص بها كبار أهل العلم وخاصتهم إلى “ثقافة شعبية” تنتشر بين العناصر والأنصار ويلهو بها الصبيان والأغرار.

فأما التهاون في التكفير فقد أشرت إليه سابقاً في حلقة مضَتْ من هذه الحلقات، واستدللت عليه بتكفير الجولاني نفسه للائتلاف والأركان. ومن المعلوم أن كثيراً من الفصائل لا تتفق مع الائتلاف، بل ربما وصل الأمر ببعضها إلى تخوين بعض رجالاته، أما التكفير؟ لا، هذه جرأة ما رأيناها إلا من داعش والنصرة وبنات القاعدة الأخريات. وما نزال إلى اليوم نسمع ونقرأ من عناصر النصرة اتهامات بالردة والكفر على طوائف من الجيش الحر، وعلى فصائل وجماعات وهيئات سياسية ثورية، وعلى أردوغان وحكومة حماس، وكل ذلك عندهم شائع متداوَل معروف.

ومن هذا الباب رَمْيُ بعض الفصائل بالردّة أو اتّهامُها بالصحوات لتبرير قتالها، كما حصل مع حزم وجمال معروف. ومن المؤكد عندنا أن قتال النصرة لكلا الفصيلين هو قتال مصالح ونفوذ وليس قتالاً شرعياً، وقد كتبتُ ذلك يومها فهاج عليّ كثيرون من أنصار النصرة، وما زلت أقوله إلى اليوم، وأرى أن مثل هذا القتال حرام، وأنه يزداد حُرمةً عندما يُلبَّس بلباس الدين.

أما تحويل التكفير إلى “ثقافة شعبية” يتعامل بها العوام والعناصر والأنصار فإنها أمّ الدواهي، فالأصل أن يقتصر المسلم على تكفير الطوائف والاجماعات الخارجة عن الإسلام، كاليهود والنصارى والنصيريين والمجوس والبوذيين والقاديانيين والبهائيين وأضرابهم، أما الأعيانُ فإنّ الحكم عليهم بالردة والكفر ليس من شأن أهل العلم الشرعي بالمطلق، فضلاً عن أن يكون من شأن العامة، وإنما هو من اختصاص القضاء، لأنه حكم شرعي قضائي تترتب عليه دماء وحقوق.

ومن مظاهر الغلو التي نأخذها على جبهة النصرة تلك السنّة السيئة التي سَنَّتْها، وهي تعليم نواقض الإسلام قبل تعليم الإسلام، فقد جاءت إلى مجتمع مغيَّب عن الدين منذ نصف قرن فلم تبدأ بتعليمه الأعمالَ التي يكون بها مسلماً، بل علّمته كيف يحكم على الآخرين بالخروج من الإسلام! ولَعمري إن هذا من أغرب الغرائب، وما رُوي مثلُه عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام ولا عن أحد من أهل العلم، بل كان الرجل يأتي إلى النبي فيعلّمه ما يصير به مسلماً، فإذا انصرف قائلاً: “لا أزيد عليها” قال صلى الله عليه وسلم: “أفلح إن صدق”.

وكان علماؤنا يُلزِمون طالبَ العلم بالتدرج في طلب العلم، بدءاً بما يحتاج إليه في دينه من الطهارة والعبادات، باباً بعد باب، ومعه تجويد القرآن وفهمه وحفظ شيء من الحديث، فلا يصل الطالب إلى مسائل التكفير إلا بعد سنين، واليوم تقفز النصرة في حِلَقها ودروسها من فوق ذلك كله لتصل فوراً -بقفزة بهلوانية عجيبة- إلى نواقض الإسلام! ما هكذا -يا جبهةَ النصرة- يكون تعليم الإسلام.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s