سألوني عن جبهة النصرة (7)

سألوني عن جبهة النصرة

-7-

مجاهد مأمون ديرانية

الأمر الرابع الذي نطلبه من جبهة النصرة هو إبعاد الغلاة عن مفاصل الجماعة ومراكز صنع القرار.

لقد راقَبْنا بحزن شديد الصراعَ الفكري الذي شهدته أروقةُ النصرة خلال الشهور الماضية، والذي استبشرنا به خيراً في أول الأمر وظننّا أنه سيتمخض عن تغير يجعل النصرةَ أقربَ إلى أهل الشام وإلى منهج التديّن الوسطيّ السويّ الذي ارتضاه لأنفسهم أهلُ الشام. ولكن النتائج كانت مخيّبةً للآمال، فقد أصرّت قيادة النصرة على قطع الطريق على كل محاولات الإصلاح وعلى إقصاء أصحاب المنهج الإصلاحي، وبدلاً من دعم وتأييد أبي مارية (الذي كان أول من وقف في وجه الغلو الداعشي وحارب داعش ودعا إلى إصلاح البيت الداخلي) بدلاً من دعمه أقدمت النصرة على عزله واستبدلت به أحدَ أكبر رموز الغلو في التنظيم ليخلفه في منصب الشرعيّ العام، ثم أقدمت أخيراً على فصل صالح الحموي في رسالة واضحة لكل إصلاحيي الجماعة: الصمت أو الفصل والإقصاء.

ومن قبلُ جاءت بأحد الغلاة الأجلاد من الأردن، سعد الحنيطي، وعينته قاضياً عاماً، فلم يلبث إلا قليلاً حتى انشق والتحق بداعش. وليس لجبهة النصرة عذر في تعيين هذا الغالي الداعشي قاضياً، فلئن أخفى ميولَه الداعشية فإن غلوّه كان واضحاً لكل ذي عينين، ويكفي أنه صاحب التغريدة الشهيرة التي يقول فيها: “يجب أن لا يُحصَر الجهاد الآن في العراق والشام، فلا بدّ من الدفع به عبر حدود الجزيرة والأردن”. نشرَ هذه التغريدة قبل تعيينه قاضياً عاماً ببضعة أسابيع، فهل يدلّ تعيينُه في أرفع منصب قضائي إلا على موافقة قيادة النصرة له في رأيه السقيم؟ ألا يعني تعيينُ رجلٍ هذا رأيُه أن النصرة ترى توجيهَ الثورة السورية باتجاه الأردن والسعودية لتصبح ثورة عابرة للحدود؟ إذا كان هو مجنوناً فهل يجوز أن يشاركه في الجنون قادةُ النصرة فيضعوه في ذلك المنصب الخطير؟

ثم إن النصرة تَبيّنَ لها جهلُه وغلوّه وداعشيّته، فسكتت عنه وتركته في منصبه حتى كان هو الذي فارقها من تلقاء نفسه وانصرف إلى داعش، فأي غلوّ وأي مجاملة في دين الله؟! أليس هو القائل بعد القتال الذي نشب بين داعش والنصرة: “لا فرق في الأصول عندنا بين الطائفتين، فكلهم على أصول أهل السنة والجماعة”؟ فرّق الله بين رأسه وبدنه! حتى حينما ارتكب كبيرة من القول بقي قاضياً عاماً، فإنه تجرأ على مخالفة القرآن وشطَبَ منه جملة فلم يَلُمْه أحدٌ من قادة النصرة وأنصارها، يوم قال: “ما يحصل بين الإخوة في الدولة والنصرة لا يخرج عن قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. فالواجب هو العمل على الإصلاح فقط”. فقط يا عدوّ الله؟ وأين ذهبتَ بتتمّة الآية؟

الأمثلة التي ضربتها أعلاه قليلٌ قليلٌ من كثيرٍ كثير، ولو أردت الاستقصاء لبلغَت المقالة مجلداً، فإن جبهة النصرة مسكونةٌ بالغلاة الذين لا ترى الجبهة في غلوّهم بأساً، وإنّ كثيراً من أمرائها وشرعييها وعناصرها على بعد أنملة من داعش، لو اهتزوا هزة خفيفة لوجدوا أنفسهم فيها. وما مقالة الغالي الخارجي التكفيري الجَلْد أبي فراس السوريّ عنا ببعيد، ولا نسينا بعدُ فاجعةَ مخيم اليرموك، حين اتضح للبعيد والقريب أن نصرة المخيم هي داعش وداعش هي النصرة، فتحالفت الفئتان واندمجتا في القتال وفي الجبهات والمقرات، وبغت نصرة المخيم واعتدت على كرام المجاهدين، فلم نسمع من قيادة النصرة إلى اليوم كلمة إنكار أو اعتذار.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s