سألوني عن جبهة النصرة (8)

سألوني عن جبهة النصرة

-8-

مجاهد مأمون ديرانيّة

الأمر الخامس الذي نطلبه من جبهة النصرة هو التوقف عن تعيين قادة عسكريين وشرعيين وقضاة من غير السوريين، ليس لعصبية جاهلية ونزعة وطنية ضيّقة ما نزال نُتَّهَم بها بالباطل، ولكن لأن أهل البلاد أدرى بأحوالها وأقدرُ على سياسة وقيادة أبنائها.

واختيارُ قادة القوم من القوم أنفسهم سنّةٌ نبوية معروفة، فإننا نقرأ في السيرة أن جيش فتح مكة كان مجموعة من الألوية التي شكّلها النبي عليه الصلاة والسلام تشكيلاً قبلياً بحتاً (وسمّاها أهلُ السِّيَر جيوشاً، فجيش كِنانة وجيش غِفار وجيش أسلم وجيش سُلَيم وجيش جُهينة، إلخ) ثم عيّنَ -بحكمته وبُعد نظره- أمراءها وحَمَلة ألويتها منها، فلم يؤمّر على أي قبيلة أميراً من غيرها. هذا جيش سُلَيم على سبيل المثال: كان مقاتلوه سبعمئة، أمّر النبي عليهم ثلاثةَ قادة منهم وعقد لكل واحد راية: الحجّاج بن علاط السُّلَمي وعباس بن مرداس السلَمي وخفاف بن نُدبة السلَمي، وتكرر المنهج نفسه مع سائر الجيوش.

ثم إننا نقرأ في السيرة في أخبار “عام الوفود” أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل وفود القبائل، فعلّم كل جماعة ما يحتاجون إليه من الدين ثم عيّن عليهم أميراً من أنفسهم، فأمّر عثمان بن أبي العاص الثقفي على ثقيف، وزيد الخيل الطائي على طيء، وفروة بن مُسَيك المرادي على مراد، وصُرَد بن عبد الله الأزدي على الأزد… والقائمة تطول.

هذه السنّة النبوية الحكيمة صارت قاعدة عامة في العهد الراشدي والتزم بها الخلفاء الراشدون، فشكّل الصدّيقُ جيوشَ فتح العراق والشام على أساس قبلي وعيّن الأمراء منهم، ثم تابعه في ذلك عمر، وهذا كله مبسوط مفصَّل في كتب التاريخ. ولقد أدرك كبار مشايخ الجهاد في العصر الحاضر هذه السنّة فلم يخالفوها، ومَن تأمّل سيرة الشيخ عبد الله عزام وسيرة القائد خطاب وجد على ذلك الشاهد والدليل. فلماذا خالفت جبهة النصرة هذا الهدي النبوي العظيم؟ لماذا تركت رجالَ سوريا وأعلامَها -وهم كثير- وأمَّرت على السوريين مَن ليس منهم، حتى صار تسعةُ أعشار أمرائها وشرعيّيها وقادتها الأمنيين والعسكريين من غير السوريين؟

إذا أحسنّا الظن نقول إن هذه المخالفة تدلّ على جهل وقِصَر نظر من قيادة النصرة، لأن أهل الأرض أعلمُ بها وبأهلها ممّن أتى من خارجها، وهو أمر أكدته التجربة، حيث رأينا من القضاة والشرعيين والقادة غير السورين طوامّ ومصائبَ لا تُحصى، بسبب تسلطهم على السوريين وهم بعيدون عن فهمهم وإدراك خصوصيات المجتمع السوري.

ثم إن أهل البلد أكثر تراحماً ورفقاً بعضهم ببعضهم لفطرة إنسانية وطبع غالب، ولنا عبرة في قصة سعد بن عُبادة يوم الفتح، فإنه لمّا حمل رايةَ النبي عليه الصلاة والسلام قال مرتَجِزاً: “اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَل الحرمة”. فسمعه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد! ما نأمن أن تكون له في قريش صَوْلة. فقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: أدركه فخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها.

والشاهد في القصة واضح، فقد تصوّر سعدٌ كيف أخرج أهلُ مكة رسولَ الله منها قبل سنوات، فأخذته الحميّةُ لدين الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ولا ريب أن في أنفس المهاجرين من الحميّة لدينهم ولنبيّهم مثل ما في أنفس الأنصار، ولكنْ تلجمها رَحِمٌ وعاطفة جبلّية يحملها المرء لأهله وعشيرته.

فهلاّ اقتدت جبهة النصرة بفعل رسول الله عليه صلاة الله وسلامُه أو بفعل من اقتدى به من أئمة الجهاد المعاصر، فأرسلت من يأخذ الرايات من أيدي الأنصار (الذين دُعوا خطأً مهاجرين، وإنما هم الأنصار لو جاؤوا حقاً لنصرة أهل الشام) ويضعها في أيدي المجاهدين من أهل البلاد؟

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s