سألوني عن جبهة النصرة (9)

سألوني عن جبهة النصرة

-9-

مجاهد مأمون ديرانيّة

الأمر السادس الذي نطلبه من جبهة النصرة هو أن تكفّ عن فرض سلطانها على الناس.

لقد سمعنا من أميرها الجولاني يوم أعلن عن دخولها إلى الميدان أنها جاءت لنصرة أهل الشام لا لحكمهم، ولكنّ الذي رأيناه من بعدُ هو النقيض، فهل غيّرت النصرةُ رأيها بأخَرَة أم خادعت أهلَ الشام عن أنفسهم ابتداءً حتى يفتحوا لها الباب؟

استقلّت جبهة النصرة بإدارة المدن والأرياف التي تسيطر عليها وأصدرت فيها القوانين وألزمت بها الناس وجَبَتْ الزكاةَ وطبقت الحدود، فكأنها في سباق مع داعش: أيّهما تستحق الفوز بلقب دولة الإسلام! وحين شكلت الفصائلُ محاكمَ وهيئات شرعية مشترَكة خالفتها وتعالت عليها وتمردت على أحكامها، ثم أنشأت لمنافستها محاكمَ ضِرار سمّتها “دور القضاء”، وفتحت سجوناً تمارس فيها الاعتقال والتحقيق والتعذيب.

فهل هذا حكم أم نصرة يا جبهة النصرة؟

إننا نطالب جبهة النصرة بأن تكون صادقة مع نفسها ومعنا ومع الله، وأن تلتزم بالوعد والعهد الذي قطعته على نفسها يوم قالت أنها جاءت للنصرة لا للحكم، فتُخْلي المدنَ من المقرّات والطرقَ من الحواجز ويقتصر رباطها وجهادها على الجبهات. ونطالبها بأن تتوقف عن فرض قوانينها على الناس والتدخل في تفاصيل حياتهم الاجتماعية، وأن تتوقف أيضاً عن احتكار العلم الشرعي وعن الكِبْر الذي يوهمها بأن منهجها هو الحق المطلق وأن غيره باطل مردود، وهو التصور الذي حملها على مطاردة الدعاة والخطباء ومَنْع كثيرين منهم من الخطابة والتدريس في المناطق التي تسيطر عليها في الشمال. كما نطالبها بإغلاق سجونها ووقف ممارساتها المستفزّة التي تخالف فيها شرع الله وتحاكي بها ظلم النظام: الاعتقال والتعذيب الذي وصل إلى الموت في عدة حالات.

لقد صار واضحاً بعد أربع سنوات من وصول تنظيم القاعدة إلى سوريا، باسمه المحلي “جبهة النصرة”، أنه لم يكن وفياً للوعد الذي قطعه على نفسه يوم قال: “ما جئنا لنحكمكم”، فإمّا أنّ “ما” في الجملة السابقة زائدة أو أن “إلا” سقطت بين الكلمتين! فقد اتضح للسوريين الذين يعيشون في مناطق سيطرة النصرة أنها ما جاءت إلا لتحكمهم، واكتشفوا أنها لا تطيق صبراً على مشروع الحكم، فلم تستطع تأجيل الشروع فيه لأن الإغراء كبير: قوة عسكرية في اليد وشعب أعزل على الأرض، فلماذا لا تطبق منهج “التغلّب” الذي يتيح لها تأسيس الإمارة (سواء عُجِّلَ إعلانُها أو أُجِّل) وحكمَ الناس؟

نعم، إن المشكلة الكبرى ليست في التطبيق بقدر ما هي في المنهج، فإن جبهة النصرة تحمل فكر القاعدة الذي يسوّغ “التغلب” ويراه طريقاً مشروعاً لإقامة الدول، وهو أسلوب فاسد يكرس الطغيان والاستبداد. غفر الله لفقهاء الأزمنة الماضية الذين أجازوه مع الإقرار بفساده (بعد وقوعه لا قبلَه) دفعاً لضرر أكبر كما توهّموا، فكانت إجازتُه هي الضررَ الأكبر كما تشهد صحائف التاريخ الحزينة.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s