سألوني عن جبهة النصرة (11)

سألوني عن جبهة النصرة

-11-

مجاهد مأمون ديرانيّة

الأمر الثامن الذي نطلبه من جبهة النصرة هو التواضع ولين الجانب وخفض الجناح، وترك التكبّر والعُجْب والعلوّ على عباد الله.

أقسمَ لي أحد المجاهدين أن شاباً صغيراً من أقاربه كان جاهلاً بعيداً عن الدين لا يكاد يعرف المسائل الأولية في الطهارة والصلاة، ثم انضمّ إلى جبهة النصرة وشارك في دورة شرعية مدتها ثلاثة أسابيع، فلما خرج منها بدأ يوزع الاتهامات على المجاهدين، فهؤلاء يعانون من خلل في العقيدة وأولئك من أخطاء في المنهج، وهذا مرتدّ وذاك عميل. قال: وكانت الصفة الغالبة عليه وعلى أكثر أصحابنا -الذين كانوا معنا في الفصيل ثم تركونا وانضموا إلى النصرة- هي الكِبْرَ والعُجب اللذين يشعّان من العيون وتنطق بهما ألسنة الحال والمقال، وبعضهم يكاد لا يسلّم ولا يردّ السلام.

إذا كانت قيادة جبهة النصرة تحمل وزر الأخطاء التي وصفتُها في المقالات السابقة فإن هذه الكبيرة يحمل وِزرَها عناصرُ النصرة. لا أقصدهم جميعاً بالتأكيد، معاذ الله، وقد سبق أن وصفت بعض مَن أعرف من شباب النصرة بأنهم من أفضل المجاهدين خُلُقاً وديناً وجهاداً، ولكنْ يوجد في مقابلهم عددٌ كبير جداً ممّن تلبّسوا بكبيرة الكِبْر من عناصر النصرة؛ يحسبون أنهم هم الصفوة وسائر المجاهدين حُثالة، ويرون أنهم حَمَلة المنهج القويم وغيرهم في ضلالة، بل يكادون يُشعِرون عامّةَ الناس بأنهم هم المسلمون الوحيدون الذين يحملون رسالة الإسلام في هذا الزمان!

هذا التعالي صنعَ بين النصرة وعامّة الناس في مناطق سيطرتها جفوةً كبيرةً ما تزال تتسع يوماً بعد يوم، وزادها سوءاً أنّ قيادات ومحاكم النصرة استكبرت على الخلق ورأت نفسَها من معدن مختلف لا يُقاس عليه الناس، فلم تُنْصفهم من نفسها وطبّقَت قاعدتين في التحاكم: قاعدة لها وقاعدة لبقية الناس. فأما القاعدة التي لها فإنها قاعدة “إذا سرق فيهم القوي تركوه”، وأما القاعدة التي للناس فهي قاعدة “إذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد”. لذلك تجبّر أمنيّوها وشرعيّوها وأكلوا حقوق العباد، ولم يُسمَع أن النصرة عاقبت مسيئاً أو معتدياً من عناصرها أو أنها أنصفت عامّياً من العامة من شرعيّ أو أمنيّ أو أمير، فعلمنا أن عناصر وقيادات النصرة وأمنيّيها ملائكة لا يخطئون، أو أنهم يخطئون ولكنهم فوق الحساب والعقاب.

ومن مظاهر هذا الكبر والاستعلاء أن النصرة ترى مَن قرأ أربع ورقات في كتاب من كتب الفقه أعلمَ ممّن صرّم شطرَ عمره في طلب العلم، إذا كان الأول منها والثاني من غيرها. فكان أن نصبت على الناس في المناطق التي تسيطر عليها شرعيين وقضاةً كثيرٌ منهم أقربُ إلى الجهل منهم إلى العلم. حتى إنني أعرف شرعياً من شرعيي النصرة في إدلب لم يُتِمّ المرحلة الإعدادية، وهو تاجر سلاح سابق، ويبيح لنفسه أن يصدر أحكاماً بتكفير فصائل برمّتها، بل إنه نُقل عنه تكفير قرى كاملة في ريف إدلب!

وأكثرُ هؤلاء القضاة والشرعيين من الذين يُسمَّون مهاجرين (والأَولى أن يُسَمَّوا أنصاراً إن كان ولا بد، لأنهم جاؤوا إلى الشام نصرةً لأهل الشام كما يقولون) وهؤلاء يجهل أكثرُهم المذهبَ الفقهي الشائع في سوريا ويخالفونه عمداً أو جهلاً أو مكابرة، وهم يميلون غالباً إلى الشدة والقسوة والتسلط على الناس، وإلى التدخل في خاصة شأنهم فضلاً عن الشأن العام.

ومن أسوأ مظاهر الكِبر والاستعلاء تخوين الفصائل المجاهدة، وهو أمر سمعناه من الجولاني نفسه في لقائه مع قناة الجزيرة، ثم قرأناه مضاعفاً في مقالة الخارجيّ التكفيري أبي فراس السوري، التي لم تتملص منها جبهة النصرة ولم يصدر عنها أي استنكار لما ورد فيها من كوارث وطامّات.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s