سألوني عن جبهة النصرة (15)

سألوني عن جبهة النصرة

-15-

الخاتمة

مجاهد مأمون ديرانية

علمت لمّا بدأت بنشر هذه الحلقات أنني سأغضب كثيرين، وإني فاضلت بين رضاهم في غضب الله وغضبهم في رضاه، فاخترت أن أرضي الله ولو غضب الناس. للمرة الثانية في هذه الثورة يطلب مني بعض الصالحين أن أسكت عن الظلم مراعاة لخواطر المجاهدين وحرصاً على مصلحة الجهاد المتوهَّمة. صنعوا ذلك مع داعش قبل سنتين ثم ظهرت لهم الحقيقة متأخرين، وها هم يصنعونه اليوم من جديد. من فضل الله أن الأيام مخلوق ناطق، وكما نطقَت فكشفت للأوّلين أنني لم أظلم أحداً في ذلك اليوم فعسى أن يرجع اللائمون الجدد بعد عام قائلين: لقد كنتَ على صواب.

أما الذين بالغوا في الهجاء وجرّموني وخوّنوني بسبب نقدي القاسي للنصرة فأقول لهم: لقد وصلتم متأخرين فدخلتم إلى المسرح في نهاية المسرحية، ثم حكمتم عليها كلها ممّا شاهدتموه في الربع الأخير من الفصل الأخير، ولو تابعتم فصولها المبكرة لما صدر عنكم هذا الحكم الجائر.

لقد بدأتُ بالكتابة عن النصرة منذ أن صنّفها المجتمعُ الدولي في قائمة الإرهاب قبل ثلاث سنين، فكان أول ما كتبتُه انتصاراً لها ودفاعاً عنها، ثم غيّرَت فغيّرتُ. بدأتْ بالتجاوز والظلم فبدأتُ بنصح خفيّ، وبقيتُ عليه زماناً، ثم انتقلت إلى النصح الجليّ وثابرت عليه أيضاً، ثم إلى النقد الرفيق الرقيق، وأخيراً إلى النقد القاسي الذي أخذتموه عليّ بأخَرة. ولو زادت لزدت، ولو أصلحَت وكفَّتْ لَلِنْتُ وكفَفْت، فليس أحدٌ فوق الحق ولا فوق النقد، ولا أحدَ أهم من الثورة التي قامت لإسقاط الظلم والبغي والطغيان، فمن ظلم وبغى وطغى ثرنا عليه كما ثرنا على النظام.

أما الذين طالبوني بالنصيحة السرية وترك النقد العلني فأقول لهم: كان هذا ممكناً لو كان لقادة النصرة أسماء وعناوين كما لقادة الفصائل الأخرى في سوريا أسماء وعناوين، ولو أنهم كانوا يستمعون لنصح الناصحين ويستجيبون لوساطات الوسطاء لما اضطَرونا إلى مخاطبتهم عبر القنوات العامة. ولكن ماذا يصنع أمثالي إذا عجز صالح الحموي، وهو من مؤسسي جبهة النصرة، عن إيصال النصيحة الخاصة ولم يخرج منها بطائل فاضطر إلى الكتابة العلنية؟ أما قرأتم ما كتب: “بعد يأسي من النصح السري المتكرر قلت لهم: كل خطأ على العلن سأنقده على العلن. فقد قدّمتُ ورقات عمل ووثائق إصلاح في كل صغيرة وكبيرة ولم تأت بنتيجة”؟

*   *   *

من شاء أن يسكت عن الحق وهو يعلمه فإنه شيطان أخرس، فمن يحب أن يكون شيطاناً أخرس؟ مَن علم الحق فشهد بخلافه فهو شاهد زور، فمَن يرضى أن يكون شاهد زور؟ من جاءه العلم ووصله الحق فردّه عصبيةً وهوىً فقد تخلق ببعض أخلاق الجاهلية؟ مَن يقبل أن تكون فيه خصلة من جاهلية؟ أما من نسي هذه الآية العظيمة في كتاب الله فليقرأها اليوم من جديد: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله}، فالشهادة بالقسط والحق واجبة في شرع الله وليست على التخيير.

أخيراً لتعلم جبهة النصرة أننا لسنا أعداء لها؛ عدوها هو ظلمها وبغيها على الضعفاء. تذكروا يا قادة النصرة وجنود النصرة: إن الأيام دُوَلٌ والقوّة لا تدوم، وإن الظلم يهدم الدول ويمسح الجماعات من الوجود، وإنه -لو علمتم- وصمةُ عار في سجلّ النصرة لا يكاد يمحوه جهادها، فما كان الجهاد يوماً ليبرر الظلم والعدوان على الأبرياء. وكيف يبرره ودفعُ الظلم عن المستضعَفين من الأسباب التي شُرع الجهاد من أجلها ابتداء: {ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعَفين}؟

كلمة الختام لأنصار النصرة ولعامة المسلمين في الشام وفي غير الشام: لا أحد يحب الخلاف والنزاع بين الفصائل التي تقاتل النظام، هذه القاعدة محل إجماع بين العقلاء، فليس ما كتبته في هذه السلسلة استثارة لفتنة نائمة، بل هو دفع لفتنة قائمة. إنما نكتب وننتقد الأخطاء بقسوة -أنا وغيري- لندرأ بقسوة اللسان حَرّ السنان وندفع النصرة إلى الإصلاح قبل الانفجار.

لن يرضى أحد في سوريا بتكرار مأساة داعش التي بدت إلى الآن منها بداياتٌ كثيرة من قِبَل النصرة، وما لم يجأر المظلومون بالشكوى من الظلم ويجهر بإنكاره من علم به ويمنعه من يقدر على منعه فإنه سيأكل الثورةَ كما تأكل الحطبَ النار، فما كان الله لينصر ثورة لا يُجار ضعيفُها من قويّها، ثورة يرى أهلها الظلم والعدوان وهم قادرون على إنكاره ثم يسكتون عن الإنكار.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s