واحش وداعش والأكراد المظلومون

واحش وداعش والأكراد المظلومون

مجاهد مأمون ديرانيّة

-1-

يكاد يعجز العادّون عن إحصاء الجرائم التي ارتكبتها داعش، ولعل أسوأها هي وَسْم الأمة كلها بوحشية داعش وساديّتها وإجرامها الفظيع، بحيث صار من المتعذر في أذهان مئات الملايين من البشر التفريقُ بين داعش والإسلام أو بين الدواعش وعامة المسلمين. لقد قدّمَت داعش للعالم صورةً سوداء عن العرب والمسلمين يحتاج تبييضُها إلى عشرات السنين، فصدَّت عن سبيل الله وكرّهت البشريةَ كلها بالإسلام، وجعلت العرب والمسلمين قوماً همجاً رَعاعاً ليس بينهم وبين الإنسانية نَسَبٌ وليس لهم منها نصيب.

وكذلك صنعت المليشياتُ الكردية الطائفية مع الأكراد، فلا يجوز أن نطلق عليها تعبيرَ “الأكراد” بعمومه فيدخل فيه البَرّ والفاجر والضحية والجلاد، بل ينبغي أن نميّز بين أبرياء الأكراد ومجرميهم كما ميّزنا بين أمة المسلمين وعصابة داعش، وليكن الاسم المتداوَل -منذ اليوم- لوصف المليشيات التي اجتمعت تحت مظلّة وحدات الحماية الشعبية الكردية الانفصالية هو “واحش” وليس الكرد على الإطلاق.

-2-

لئن يكن العرب المسلمون ضحيةً لإجرام “داعش” فإن إخوانَنا الأكراد ضحيةٌ لإجرام “واحش”، وكما نقول إنّ من الظلم تحميلَ المسلمين السنّة مسؤوليةَ الأعمال الوحشية التي ترتكبها عصابة داعش، فكذلك نقول إن من الظلم تحميلَ أكراد سوريا مسؤوليةَ الجرائم البشعة التي ترتكبها المليشيات الكردية الانفصالية. كلا التنظيمين عبء على الأمة، وكلاهما عدو لسوريا وثورتها ولمسلمي سوريا الذين يتكوّنون من عرب وأكراد وشركس وتركمان، بل ولسكان سوريا جميعاً من كل الأديان والطوائف والأعراق.

إن مصيبة الأكراد في واحش لا تكاد تختلف عن مصيبتنا في داعش: تسلّط وبغي وإجرام وقوانين جائرة يفرضها حَمَلةُ السلاح بقوة السلاح على ضعفاء المدنيين. وكما أن العرب والكرد كليهما يتعرضان لبغي داعش وإجرامها فإنهما يتعرضان معاً لبغي وإجرام واحش، لأن الإجرام لا يعرف هُويّةً ولا يعترف بدين. فلا يجوز أن نستعمل مفردة دينية لوصف إجرام داعش فترتبط في الأذهان بدين الإسلام، ولا يصحّ أن نستعمل مفردة عرقية لوصف إجرام واحش فترتبط بجمهور الأكراد. لا ينبغي أن نأخذ العامة بجريرة الخاصة أو نحمّل الأمم والأقوام جرائم المليشيات والعصابات.

-3-

لقد آن الأوان لتصحيح خطأ تاريخي في الذهنية السورية، خطأ يصوّر الأكرادَ شعباً غيرَ متدين وغير وطني، لا ينتمي لسوريا ويسعى إلى الانفصال. إن الكرد هم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الوطن، وهم مسلمون متدينون في جملتهم، ولكنهم يعانون من الجهل والتغريب اللذين عانى منهما أهلُ سوريا جميعاً بسبب الحكم البعثي الأسدي الطائفي، الذي ظلّل سوريا بظلاله الكئيبة خلال العقود الخمسة الماضية.

لا بد أن في الأكراد يساريين وقوميين أصوليين يعادون العربية والإسلام، ولكنهم قليلون، وللأسف فإنهم هم الذين يحظَون بالدعم الغربي والرعاية الخارجية، مما جعلهم مسيطرين على الأكثرية الوطنية المتديّنة. ولا بدّ أن في الأكراد قلّةً يريدون الانفصال ويسعَون إليه، لكن الأكثرين يريدون البقاء ضمن الدولة السورية. وهؤلاء لا تتجاوز أقصى أمانيّهم جموحاً الحصولَ على نوع من اللامركزية، وهي مشكلة هيّنة نسبياً، يمكن حلها ضمن معادلة مُنْصفة لسكان الشمال الشرقي السوري كلهم دون التضحية بحقوق الجماعات المختلفة ولا بوحدة سوريا وهويتها الجامعة.

-4-

آن الأوان لإنصاف الأكراد من ظلم السنين الطوال، فلا يجوز أبداً أن يبقى مليونا إنسان محرومين من حقوقهم الثقافية أو يتعرضوا للتمييز والرفض والنفور. وليس هذا بمألوف في ثقافة أهل “الشام الكبرى” الذين فتحوا بلادهم منذ الأزل لكل مُقْبل إليها وافِد عليها، فلم يشعر بالغربة بينهم غريب، إنما كان هذا التمييز والإقصاء من ثمرات الديانة البعثية القومية التي كان السوريون كلهم ضحايا لها بدرجات، أعلاها المحنةُ التي تعرض لها إخواننا الأكراد، فحُرموا من لغتهم وثقافتهم وأسماء أولادهم وبناتهم ومدنهم وقراهم، وبلغ الظلم غايتَه بحرمانهم من الجنسية السورية.

ما لم يُمنَح أكرادُ سوريا في الدولة الحرة المستقلة الجديدة حقوقَهم اللغوية والثقافية والسياسية الكاملة فسوف يصبحون هدفاً سهلاً لأعداء سوريا ومدخلاً من مداخل الاختراق، وهي قاعدة تنطبق على سائر الأقليات في سوريا كما تنطبق على الأقليات كلها في كل بلد من بلاد الدنيا، وإنّ في التاريخ لَعبرةً لمن أراد الاعتبار، فما أكثرَ ما تدخل الأعداء والأجانب في بلادنا بذريعة حماية الأقليات.

-5-

إن التردّدَ في إنصاف إخواننا الكرد السوريين واستعداءهم جميعاً بسبب الجرائم التي يرتكبها فريق منهم سيفتح على سوريا بابَ التدخل الخارجي القبيح. ولكنني لا أدعو إلى إنصافهم والمبادرة لمنحهم حقوقَهم الطبيعية لهذا السبب حصراً، بل لسبب أخلاقي وديني في المقام الأول، فإن حرمانهم من حقوقهم وأخذ عامّتهم بجريرة القلّة منهم ظلمٌ لا شكّ فيه، والظلم قبيح مردود في الميزان الأخلاقي والشرعي على السواء.

لا يجوز أن يتأخر ثوارُ سوريا وأحرارُها في حسم هذا الملف الخطير فيما تعبث به أيادي الأعداء في السر والعلن، فلتبادر القُوى الثورية الممثلة للثورة (وعلى رأسها المجلس الإسلامي السوري) إلى إصدار إعلان يُقِرّ لأكراد سوريا بحقوقهم الثقافية والسياسية الكاملة، ويتضمن هذا الإقرارُ الاعترافَ بلغتهم واحدةً من اللغات الوطنية في سوريا، وضمانَ الجنسية السورية للكرد السوريين جميعاً.

بالمقابل فإننا نطالب القوى الثورية الكردية الوطنية بإعلان موقف مبدئي من المشروع الذي تقوده القوى الكردية الانفصالية المعادية لسوريا والمتحالفة مع أعدائها، وبإدانة واضحة لجرائم التطهير العرقي التي تمارسها “واحش” بحق العرب والكرد والتركمان والسريان وغيرهم من المجموعات الإثنية والدينية في شمال سوريا الشرقي، وبالإقرار بانتماء الشعب الكردي لسوريا والاندماج الكامل في الدولة السورية الجديدة المستقلة.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على واحش وداعش والأكراد المظلومون

  1. يقول مسعود:

    لسنا سواء في استحقاقنا ألا ينسب إلينا من يجرم بإسمنا وبإسم مصالحنا كما يراها. لأن كل العرب السنة إلا من لا يؤبه له تبرأوا من داعش وأعمالها بل قد كفرها كثير منهم. أما واحش فنادرا ما ينتقدها الأكراد. فها هي تهجر العرب السنة وتحرق قراهم وتسلبهم ممتكاتهم في شمال سوريا بل تقتلهم وتعذبهم وتذلهم، ولا نسمع من كردي واحد بله حزبا معتبرا فيهم شجبا أو إدانة لما تفعل. وما ذاك إلا لأن معظم الأكراد مقتنعون بأغراض واحش الملحدة وهي إقامة وطن قومي لهم بالباطل أو بالحق. فقد صارت القومية لديهم مقدمة على الدين وعلى أي اعتبار آخر! أما المظلومية التي بعضها حق وبعضها باطل فالغرض من الاحتجاج بها هو التمهيد للإنفصال عن كيان سوريا الموحدة بعد تحقيق الإنفصال عنه ثقافيا وإداريا، مع أن 98 % منهم غير سوريين بل مهاجرون ولاجئون إليها من تركيا فرارا من عسف الحكومات التركية القومية بهم. ومعظمهم لا يرضى لا بالإندماج مع باقي الشعب ولا بالمساواة المطلقة حتى لو بلغوا بها أسمى المناصب. فهؤلاء لا يرضون إلا بالإنفصال. إذ إن دعاية أحزابهم القومية الملحدة قد تغلغلت فيهم حتى النخاع. وهم يتوسلون إلى ذلك بكل الوسائل الحقيرة ولا مانع لديهم من التعاون مع كل أعداء الأمة وإسرائيل نفسها لتحقيق هذه الغاية. وعلى أنه لا يوجد تاريخيا ولا وثائقيا ما يثبت أرضا قومية لهم في سوريا فإنهم يسمون شمال سوريا من شرقه إلى غربه (غرب كردستان) ويسمون كل مدينة أو قرية يستولون عليها باسم كردي ما أنزل الله به من سلطان لطمس الهوية العربية الإسلامية لها. وحتى الأكراد الذين يتعاونون مع العرب في بعض المشاريع السياسية لا بل علمائهم في الدين يتبنون القومية على أنها حقهم الطبيعي الذي يسوغون به ما ذكرته آنفا ولكن على وجه الإجمال. خذ مثلا مواقف المجلس الوطني الكردي المنضم للإئتلاف. فلا تكاد تسمع له أي إنكار على ما يقوم به حزب ال PYD من جرائم مع أنه يدعي نفسه جزءا من المعارضة الشريفة. والأكراد عموما لم يشاركوا في الثورة إلا كافراد من هنا وهناك أما معظمهم فيسعون لإستغلال محنة الشعب السوري لتحقيق الإنفصال فتراهم يتعاونون مع عصابة بشار نفسها التي ينقمون عليها ظلمها لهم. ثم انظر ماذا فعلوه في العراق تحت قيادة برزاني غير الملحد وغير الشيوعي من تعاون مع المحتل وترك أهل السنة في العراق يذبحون ذبح النعاج على أيدي الشيعة والأمريكان لا بل تحالفوا معهم في الجرائم وما ذاك إلا لأنهم لا يرون أنفسهم عراقيين ولا حتى مسلمين بل قوما آخرين لهم قضية أخرى. ثم تحالفوا مع الأيزيدين عبدة الشيطان مؤخرا وتركوهم بحمايتهم يعيثون فسادا في القرى العربية المسلمة المجاورة لهم، يقتلون ويسبون وينهبون بذريعة الإنتقام من داعش لما فعلته بهم، بدون أي دليل إلا الزعم الكاذب بأن هؤلاء العرب كانوا مع داعش؛ وذلك ليستطيعوا ضمها إلى منطقة الأكراد في شمال العراق طمعا في حقول البترول فيها !
    وكما قال المتنبي رحمه الله:
    وَجُرْمٍ جَرّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ وَحَلّ بغَير جارمِه العَذابُ
    فماذا بعد هذا تقول في الأحزاب الملحدة الحاقدة على العرب والإسلام التي ترفع راية الكرد في سوريا وفي مواقفها؟
    ولذا فإن اعطائهم ما يسمى حقوقا لهم تتجاوز ما يعطى لمجموع الشعب إن هو إلا مساعدة لهم على الإنفصال . فهو سيعمق الهوة التي بينهم وبين الشعب السوري ويعطل الإندماج ويمهد للإنشقاق عنه وواقتطاع جزء عزيز من سوريا لا حق لهم فيه لأنهم سكنوا هناك أولا ضيوفا لا أبناء بلد إلى أسباب أخرى. حقا لقد صدقت الحكمة العربية القديمة عليهم: اتق شر من أحسنت إليه! قل لي بربك: أي بلد يرضى بأن يقيم اللاجئون إليه دولة مستقلة عنه مقتطعة من أرضه بأساطير مفتراة؟! وبعد كل شيء هم لا يزيد عددهم في سوريا عن 3% مع أنهم يدعون كذبا وزورا غير ذلك. فهل بعد هذا من مسوغ لهم ليقيموا دولة لا تمتلك حتى أهم مقوم وهو السكان. ولذا تراهم يعمدون إلى استقدام أقربائهم من تركيا والعراق ليحلوا محل المهجرين من العرب السنة. فمعظم جيش هذا الحزب اللقيط هم من أكراد تركيا المستوردين ومن حزب العمال التركي الذي يعد حزب البي واي دي فرعا منه. وكان يمكن لهذه المشكلة ألا تتفاقم بهذا الشكل لو أن الحكومات السابقة لعصابة بشار وأبيه نقلتهم بعد هجراتهم إلى سوريا الداخلية بعيدا عن الحدود مع مناطقهم في تركيا كما نصح بذلك الأديب الكبير محمد كرد علي رحمه الله رئيس المجمع اللغوي العربي السوري بعد أن زارهم هناك بعد إحدى هجراتهم. ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا هذه واخلف علينا خيرا منها، آمين. والسلام عليكم ورحمة الله.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s