عَلَم الثورة: افتراءات وردود (2)

عَلَم الثورة: افتراءات وردود

(2) مناقشة شرعية

 

مجاهد مأمون ديرانية

 

-1-

 

الأعلام والرايات من مسائل الدنيا وليست من مسائل الدين، وهي من العادات لا من العبادات، فضلاً عن أن تكون من مسائل الاعتقاد كما يظن بعض الناس. لذلك لم ترد فيها نصوص محكمة قطعية الدلالة والثبوت، ولم يحدّد لنا نبيّنا عليه صلاة الله وسلامه رايةً ذاتَ شكل معين أو لون محدد، ولم يهتم فقهاؤنا ببحثها في كتبهم، لا في كتب السياسة الشرعية ولا في غيرها، سوى ما ورد في كتب السِّيَر والسنن من وصف لأعلام ورايات النبي عليه الصلاة والسلام.

 

ولأنها من أعمال الدنيا فقد تُركت لاجتهاد الأمة في كل زمان، فتفاوتت رايات المسلمين بين القبائل المختلفة والجيوش والحملات في العصر الإسلامي الأول، ثم في الدول الإسلامية اللاحقة على مَرّ التاريخ.

 

-2-

 

أصحّ ما ورد في الباب حديثُ البراء بن عازب، وفيه أن رايته صلى الله عليه وسلم كانت سوداء مربعة من نَمِرة (حديث حسن أخرجه أبو داود و الترمذي) وحديث جابر، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض (حديث حسن أخرجه الأربعة). وفي حديث ضعيف (وحسّنه الألباني من طرق) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء وكان لواؤه أبيض، وفي حديث ضعيف عند أبي داود من رواية سماك بن حرب عن رجل من قومه عن آخر منهم قال: رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء، وفي “مَجْمَع الزوائد” عن كريز بن أسامة أنه عقد لبني سليم راية حمراء.

 

إذن لم يرد في لون الراية النبوية نص صحيح قطعي الثبوت، وقد وَهِمَ بعضُ أنصار الرايات السود فذكروا أن البخاري أخرج في صحيحه عن ابن عباس أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كانت سوداء. وليس كذلك، بل أخرجه في “التاريخ الصغير”، وهو ليس من كتب السنن بل من كتب العلل، روى البخاري فيه أحاديثَ كثيرةً للتنبيه على ضعفها وبيان علّتها؛ قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (محقّق الكتاب في طبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند): “إن إخراج البخاري الخبرَ في التاريخ لا يفيد الخبر شيئاً، بل يضره، فإن من شأن البخاري أن لا يُخرج الخبر في التاريخ إلا ليدل على وهن راويه”. وكذلك صنع بحديث السواد، فإنه رواه ثم عقّب عليه فقال: فيه يزيد بن حيان، كان كثير الوهم وعنده غلط كبير.

 

النتيجة التي نصل إليها من كل ما سبق أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ علماً محدداً في لونه وشكله، وأنه كان يرفع أي خرقة يتّفق العثور عليها، لا على التعيين. وقد علل الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” ذلك التنوع باختلاف الأوقات والحالات.

 

-3-

 

أما “راية العقاب” المزعومة فإنها كذب على نبيّ الله عليه صلاة الله وسلامه، وكل الأحاديث التي وردت فيها متهافتة باطلة منكَرة تترواح بين شدة الضعف والوضع، ولم يثبت أبداً أن أي راية نبوية حملت عبارة التوحيد أو غيرَها من العبارات.

 

وقد دلّس بعض الدواعش فأضافوا كلمة إلى حديث البراء بن عازب الذي أشرت إليه قبل قليل، فنشروه بلفظ: “سوداء مربعة في وسطها نمرة”. وما أراهم إلا كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمّدين لترويج رايتهم المزعومة قاتلهم الله، فإن روايات الحديث المحفوظة كلها وردت بلفظ “سوداء مربعة من نَمِرة”.

 

والنمرة -كما في اللسان والقاموس- شَمْلةٌ فيها خطوط بيض وسود. في تحفة الأحوذي: “أراد بالسوداء ما غالِبُ لونه سواد بحيث يُرى من البعيد أسود، لا ما لونُه سوادٌ خالص، لأنه قال “من نَمِرة” (بفتح فكسر) وهي بُردة من صوف يلبسها الأعراب فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سُمِّيَت نَمِرة تشبيهاً بالنمر”. قلت: وهذا اللباس ما زال شائعاً في أهل البوادي إلى اليوم، يرتديه الأعراب في الشام وفي غيرها من بلدان العرب.

 

-4-

 

الرايات والأعلام في الأصل من شعارات ولوازم الحرب لا من رسوم الدولة وأنظمتها، ولم يُعرَف أن المسلمين في الصدر الأول رفعوا علماً أو راية في غير معركة، لا على المساجد ولا على غيرها، لا في العصر النبوي ولا في عهد الراشدين. وما رُفعت الرايات قديماً في المعارك إلا لهدف عملي، هو الالتفاف حولها والقتال تحتها، وكان الغالب أن ينهار الجيش إذا سقطت الراية، وفي أخبار المعارك القديمة كثير من مثل هذه الأخبار، وما أكثرَ ما مات مقاتلون في سبيل الحفاظ على الراية مرفوعة، كما حصل في مؤتة على سبيل المثال.

 

ومن قرأ كتب السيرة يعلم أن ظهور الراية في المدينة المنورة في العهد النبوي كان دائماً إيذاناً بعمل عسكري وشيك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعقد لواء إلا لغزوة أو سرية، فإذا رآها المسلمون علموا أن بعثاً عسكرياً يوشك أن ينطلق إلى مهمة عسكرية أو أنه راجع منها. في حديث الحارث البكري عند الترمذي قال: قدمت المدينة فدخلت المسجد، فإذا هو غاصٌّ بالناس، وإذا رايات سود تخفق وبلال متقلّدٌ السيفَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ما هذه الرايات؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً. وفي رواية: قالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة.

 

-5-

 

بقي أن أشير ختاماً إلى وَهْم شائع يخلط بين الراية التي تُرفع في المعركة والغاية من القتال، فقد ظن كثيرون أن العَلَم الذي لا يحمل شعاراً إسلامياً هو الراية العِمّية المقصودة في حديث مسلم المشهور: “مَن قاتل تحت راية عمّيّة (بميم وياء مشدّدتين، ويجوز في العين الكسر والضم، وهي صيغة مبالغة من العمى) يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقِتْلةٌ جاهلية”.

 

وليس المقصود بالراية هنا الخرقة التي تُرفَع في الحرب، بل المقصود هو الغاية التي اجتمع الناس للقتال من أجلها. والراية والغاية تأتيان بمعنى واحد؛ في حديث عوف بن مالك الأشجعي في الأحداث التي تكون بين يدي الساعة: “تكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة، فيغدرون بكم، فيسيرون إليكم في ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً”. فالمقصود أن الروم يعقدون ثمانين لواء تحت كل لواء اثنا عشر ألف مقاتل، وهذا المعنى واضح في الحديث نفسه. جاء في فتوى نَفيسة نشرتها هيئة الشام الإسلامية بعنوان “هل هناك راية محددة يجب أن يلتزم بها السوريون؟” (أتمنى أن يطلع عليها القرّاء الكرام):

 

مصطلح الراية الوارد في الشرع وكلام أهل العلم معناه الغاية والهدف من القتال، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقِتْلة جاهلية”. فدلالة الحديث واضحة أن المقصود بالراية هو الغاية من القتال. وعليه فإن الهدف من القتال هو الذي يحدد شرعية هذه الراية وصحّتها، فمَن كان قتاله لحماية النفس والعرض والدين والمال، من الضرورات التي جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها، فرايته وغايته شرعية، لقوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلْدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليّاً واجعل لنا من لدنك نصيراً}، وقوله صلى الله عليه وسلم: “مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد”.

 

الخلاصة

 

الخلاصة التي ننتهي إليها من دراسة مسألة الرايات والأعلام في صدر الإسلام أن الراية كان لها هدف واحد، هو جمع الناس تحتها في المعارك. ومن المؤكد أن أي عَلَم من أعلام الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحمل هوية الإسلام، لا عبارةَ التوحيد ولا غيرَها من العبارات الإسلامية، ولا كان شيءٌ من ذلك في عهد الخلفاء الراشدين. رغم أن المسلمين كانوا يكتبون (على قلّة مَن كانوا يكتبون بينهم وعلى أن الأمية هي الغالبة عليهم) فلو شاؤوا لرسموا عبارة التوحيد على راياتهم، بل لو شاء النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لنقش على رايته ما نقشَه على خاتمه. لكنهم لم يظنوا أبداً أن الراية هي محل إعلان الهوية، وهو الظن الذي غلب على كثير من العوام من أهل الإسلام في هذه الأيام، حتى ظنه من الدين بعضُ حَمَلة السلاح اليومَ في الشام.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s