بين الدعوة والثورة والسياسة والجهاد

“عالَم المبادئ” و”عالَم المصالح”

بين الدعوة والثورة والسياسة والجهاد

 

مجاهد مأمون ديرانية

 

-1-

 

يقترب قطار الثورة السورية بسرعة من محطة حاسمة لا بدّ له أن يبلغها عاجلاً أو آجلاً، هي محطة الحل السياسي. وهي محطة حتمية في الحروب والثورات، فإنّ الحرب والثورة تَصنع على الأرض الإنجازات التي تتكلل نصراً أو هزيمة على طاولات المفاوضات، ومَن أحسنَ قيادة المعركة العسكرية ثم لم يحسن قيادة المعركة السياسية أوشك أن يفقد كل المنجزات ويضيّع كل التضحيات.

 

من أهم المؤهلات التي ينبغي على الثورة امتلاكُها -وهي تخوض معركتها السياسية- القدرةُ على المناورة والاستفادةُ من الفرص واستغلال التناقضات والتقاطعات، لتحقيق “ما يمكن تحقيقه” من المصالح لسوريا والسوريين ودفع “ما يمكن دفعه” من المفاسد عن سوريا والسوريين.

 

إن تقييد المصالح بما يمكن تحقيقه والمفاسد بما يمكن دفعه يعني أن السياسة ليس مطلوباً منها أن تحقق المصالح كلها معاً وتدفع المفاسد كلها جميعاً، فإن هذا يصعب تحقيقه في عالم الواقع، بل هو مستحيل. من هنا تأتي أهمية فك الاشتباك بين عالَم المبادئ وعالَم المصالح، بين الثورة والدعوة من جهة والسياسة والجهاد من جهة أخرى، لأن الخلط بينها يجمّد الجهد السياسي ويجرّد أجهزة الثورة السياسية من الفعالية والتأثير.

 

-2-

 

يقيس كثير من أهل الثورة العمليةَ السياسية بالدعوة النبوية، فلا يزالون يتحدثون عن المبادئ التي صبر عليها النبي وأصحابه والتضحيات التي قدّموها في سبيل حماية الدعوة والدين. وهؤلاء يتجاهلون (أو يجهلون) مواقفَ نبويةً أخرى ساوم فيها النبي عليه الصلاة والسلام وهادن وتنازل، فهم يصوّرونه في موقع النبي ولا يتصورونه في موقع قائد الدولة، فخلطوا بين عالَمين منفصلين لكل منهما طبيعته وأدواته وسقفه وغاياته: عالم المبادئ وعالم المصالح.

 

تقوم الدعوة على “المبادئ” التي لا تحتمل المساومات والتنازلات وأنصاف الحلول، أما السياسة فإنها قائمة على المصالح والمفاسد، فهي تحصيلٌ للأولى ودفعٌ للثانية “بقدر الوسع”. وفي سيرته صلى الله عليه وسلم أمثلة للثبات على المبدأ في الدعوة لا يصحّ إسقاطها على السياسة، وأمثلة للمرونة والمساومة في السياسة لا يصحّ إسقاطها على الدعوة.

 

من النوع الأول صبرُه وصبر المسلمين على حصار الشِّعب الطويل، على ما فيه من العسر والمشقّة، ومنه جوابه لكفار مكة لمّا أغرَوه بترك الدعوة مقابل المُلك والمال، فقال قولته المشهورة: “لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته” (لو صَحّ الحديث، وفيه مقالة). ما هو الأمر الذي أبى أن يتركه؟ إنه الدعوة إلى الإسلام، والدعوةُ هي المهمة الأصلية التي بُعث النبي عليه الصلاة والسلام من أجلها، فماذا يبقى إذا فرّط فيها وتنازل عنها؟

 

ومن النوع الثاني اتفاق الحديبية بكل تفاصيله المعروفة، ومنه سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن المنافقين، وموادعته لبني مدلج وبني ضَمرة، وعَرْضُه على غطفان يوم الأحزاب أن يمنحهم ثلث ثمار المدينة مقابل فكّ ارتباطهم بحلف الأحزاب وتخفيف الضغط عن المدينة المحاصَرة.

 

-3-

 

إذا كانت الدعوة عالَماً من المبادئ التي لا يجوز التفريط فيها أو التنازل عنها، فما السياسةُ وما الجهاد؟ الصحيح أنهما أدواتٌ فحسب. الجهاد أداة لحماية الدين وتبليغه، والسياسة أداة لتحقيق مصالحه وصيانته عن المفاسد والأخطار.

 

الجهاد معارك يُسمَح فيها بالمناورة ويجوز فيها الانسحاب والتحيّز عند الضرورة، فلا يُلام الجيش إذا انسحب من معركة لا طاقةَ له بها بسبب اضطراب الميزان العسكري لصالح عدوّه، كما صنع خالد يوم مؤتة، فلم يَلُمْه النبي صلى الله عليه وسلم، بل دافع عنه وأثنى عليه وعلى أصحابه. من هذه الحادثة ومن آية الأنفال ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز انسحاب الجيش المسلم إذا فاقه العدو بأكثر من الضعفين، بل إن من العلماء مَن أجاز انسحاب المسلمين ولو كانوا أكثرَ عدداً إذا تفوّق عليهم عدوّهم بالعدّة وآلة القتال.

 

أما السياسة فإنها باب واسع للمناورة، وهدفها دفع ما يمكن دفعه من المفاسد وتحقيق ما يمكن تحقيقه من المصالح كما رأينا آنفاً. وإنما قالوا “ما يمكن دفعه وما يمكن تحصيله” لأن المفاسد والمصالح تتجزأ، بخلاف المبادئ التي لا تتجزأ ولا تُتصوَّر فيها الأبعاض، فإمّا حق أو باطل، إما إسلام أو كفر، إما عدل أو ظلم، إما ظلمة الليل أو ضياء النهار.

 

-4-

 

ماذا عن الثورة؟ هل هي أقرب إلى الدعوة التي لا تترخّص ولا تتنازل ولا تناور ولا تساوم، أم هي أقرب إلى السياسة والجهاد اللذين تجوز فيهما المساومة والمناورة والمهادنة والتحرّف والتحيّز والانسحاب؟

 

للثورة مبادئ انطلقت منها وقامت عليها، وكما جاءت الدعوة لتغيير حياة الناس ونقلهم من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان، فكذلك جاءت الثورة لتغيير حياة الناس ونقلهم من الذلة إلى الكرامة ومن العبودية إلى الاستقلال.

 

من هذا التشبيه يمكننا أن نحكم بأن الثورة تمثل عالم المبادئ كما تصنع الدعوة، وأن السياسة والحرب أدوات تستثمرها الثورةُ للوصول إلى الغاية وتحقيق الهدف المنشود. فلا يحلّ للثورة أن تتنازل عن مبادئها الكبرى التي قامت من أجلها أو تتراجع عنها، لا يجوز أن تتنازل عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية التي طالبت بها من يومها الأول، ولها أن تتوسل لها بالوسائل المباحة المتاحة جميعاً، بما فيها القتال في ميادين القتال والسياسة في ميادين السياسة.

 

فإذا خاضت معركتها العسكرية لم يكن عليها بأسٌ أن تناور وتهادن وتنسحب حيثما نشأت ضرورةٌ لمناورة ومهادنة وانسحاب، طالما أنها تسعى إلى تجنب الهزيمة وتحقيق الانتصار. وإذا خاضت معركتها السياسية لم يكن عليها بأسٌ أن تناور وتداور وتفاوض وتساوم، طالما أنها تسعى إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه من مصالح ودفع ما يمكن دفعه من مفاسد وأخطار وأضرار.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على بين الدعوة والثورة والسياسة والجهاد

  1. يقول عثمان أمير:

    المصالح تجعل المرء يصف الفعل حسب الفاعل، ويمدح ويذم حسب الشخص أو حسب الحاجة، أما المبادئ فلا. المصالح عند الناس ببساطة هي إذا سرق فيهم الشريف الملايين لم يتركوه فحسب بل مدحوه ودعوا له بمزيد من التوفيق، وإذا سرق فيهم الضعيف الملاليم شهروا به وطالبوا بقطع يده وسجنه. وعندئذ يتساوى أصحاب المصالح: الذين يريدون إسقاط الاستبداد حتى لو بالاستعانة بمستبدين، والذين يريدون إبقاء النظام المعادي للصهاينة حتى لو بتكرار جرائم الصهاينة، والذين يريدون إعادة الخلافة الإسلامية حتى لو بسفك دماء المسلمين.

  2. تنبيه: بين الدعوة والثورة والسياسة والجهاد | النصيحة للثورة السورية

  3. تنبيه: بين الدعوة والثورة والسياسة والجهاد | النصيحة للثورة السورية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s