تحديات جنيف (2)

تحديات جنيف

(2) معركة الدستور

 

عندما صدر إعلان فيينّا في منتصف تشرين الثاني الماضي فوجئنا بالأهمية الكبيرة التي علّقها الإعلان على الدستور، فقد بدا أنه ركيزة أساسية ونقطة انطلاق في الحل السياسي الذي تدفع أمريكا وروسيا باتجاهه، برعاية دولية شكلية ظاهرية يقودها المبعوث الأممي المنحاز ستيفان ديمستورا.

 

بعد ذلك تكرر التأكيد على أهمية الدستور في قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي صدر في الثامن عشر من الشهر التالي، ثم عقد الروس من أجله مسرحية رديئة سيّئة الإعداد والإخراج في حميميم بعد ذلك بعدة أسابيع، وأخيراً نقل موقع “بلومبيرغ” الأمريكي عن مسؤولين روس وأمريكيين أن الدولتين تعملان معاً على إعداد مشروع دستور جديد لسوريا، وأنهما حريصتان على إنهائه خلال ستة أشهر!

 

*   *   *

 

لا ريب أن معركة الدستور هي معركة الوقت، فإنها بوّابة يريدون فتحها ليَلِجوا منها إلى التحكم بمستقبل سوريا الدستوري والقانوني والسياسي والسيادي. إنهم يعلمون أن الدستور التي سيفرضونه علينا في ستة أشهر سيقيّدنا في ستة وستين عاماً آتية لا قدّر الله، لذلك جعلوه واحدة من الركائز الكبرى للحل السياسي وجعلوه مقدمة لازمة لكل ما بعده من تفصيلات، بما فيها الانتخابات البرلمانية والرئاسية وكيان الحكم الانتقالي، وشكل الدولة السورية القادمة بأنظمتها وهياكلها ومؤسساتها المختلفة.

 

لقد عشنا نصف قرن بدستور وهمي، وعشنا دهراً بلا قانون سوى قانون الطوارئ الذي حوّل سوريا إلى مزرعة لآل الأسد (كما وصفها الأستاذ عبد الله الدهامشة في كتابه القيّم الذي حمل هذا العنوان) ويمكننا قطعاً أن نعيش بلا دستور سنةً أخرى أو سنتين ريثما تستقلّ سوريا استقلالاً حقيقياً وتتخلص من الحكم الطائفي، ويصبح السوريون أحراراً قادرين على انتخاب جمعية تأسيسية والتصويت على الدستور الجديد.

 

حتى ذلك الحين يمكن الاكتفاء بالإعلان الدستوري الذي دعا إليه الأستاذ أنور البنّي، إعلان مؤقت بصلاحية زمنية محددة يستمر خلال الفترة الانتقالية القصيرة، فيحدد صلاحيات هيئة الحكم الانتقالية ويمهّد لانتخاب جمعية تأسيسية وصياغة دستور جديد دائم للبلاد. فإنْ تعذّرَ ذلك لأي سبب فإن دستور 1950 هو البديل حتى كتابة الدستور الدائم، أمّا أن يُفرَض على سوريا دستورٌ ارتجالي وهي ما تزال تحت الوصاية الدولية وما تزال مكبلة بالقيود والأغلال فإنه خيانة لهذا الجيل وما بعده من أجيال.

 

*   *   *

 

لقد سمعنا من هيئة المفاوضات العليا ومن رئيسها الدكتور رياض حجاب ما يطمئننا ويؤكد لنا أن الهيئة واعية لهذا الخطر وحريصة على تجنّبه، ولكنّ الوعي الشخصي لأفراد المفاوضين لا يكفي؛ إننا نحتاج إلى وعي عام وإلى موقف جَمْعي شعبي ضاغط يقوّي ويدعم موقف الوفد التفاوضي، فيا ليت ناشطي الثورة يُطلقون حملة منظمة بوسم محدد، مثلاً “لا دستور قبل التحرير”، وليت جمهور الثورة يختار اسماً لجمعته القادمة بهذا المضمون، وليطلق حملة غضب شعبية عارمة تدعو اللاعبين الدوليين إلى الكفّ عن اللعب بنا والعبث بمستقبل بلادنا.

 

ليكن الجواب بالصوت الثوري العالي في الميادين والساحات قبل أن يكون بالصوت الفردي الخافت في أروقة المفاوضات.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s