رسالة إلى المتحاربين في الغوطة

قيس بن عاصم المنقري يخاطب المتحاربين في الغوطة

 

-1-

كان الأحنف بن قيس أحْلمَ العرب وبه يُضرَب المثل في الحِلْم، سئل يوماً: ممّن تعلمت الحِلْم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري. رأيتُه قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه يحدّث قومه، فأُتي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك وقد قتل ابنَك. فوالله ما حلّ حبوتَه ولا قطع كلامه حتى فرغ منه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي، بئس ما فعلت، اثِمْتَ بربّك وقطعت رحمك، ورميتَ نفسك بسهمك فنقصتَ عددَك وأوهنت ركنك وشمّتَّ عدوك. ثم قال لابنٍ له آخر: قُمْ يا بُنيّ فَحُلَّ كتاف ابن عمك ووارِ أخاك.

-2-

يا أيها المتحاربون في الغوطة، يا فصيلاً قاتل فصيلاً ويا أخاً قتل أخاه: اعلموا أنكم قد أثمتم وقطعتم الرحم، وأنكم رميتم أنفسَكم بسهامكم فنَقصتم عددَكم وأوهنتم قوتكم وشمّتّم فيكم عدوكم، فمتى تعقلون فتستجيبون لدُعاة الصلح؟ ومتى تُلقون السلاح من أيديكم أو تحملونه وتنطلقون به إلى الجبهات؟

 

-3-

لن يُحَلّ خلافُكم إلا بالقضاء الشرعي المستقل، هذه هي النهاية التي ستصلون إليها آجلاً أو عاجلاً، فلماذا تُطيلون طريقاً آخرُه محسوم، ولماذا تُزهقون مزيداً من الأرواح وتسفكون مزيداً من الدماء؟ مَن الذي يدفع لمزيد من الاحتراب ويعرقل الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار؟ يقيناً لا يصنع ذلك إلا مجرم أو مجنون، أعيذكم بالله -يا مجاهدي الغوطة الكرام- من الجنون والإجرام.

 

-4-

عقلاء الناس كلهم -داخلَ الغوطة وخارجَها- أجمعوا على ضرورة وقف القتال على الفور، وهذا يعني أن على كل مسلّح من كل فصيل أن يضع بندقيته وينصرف إلى بيته، أو يحملها ويرابط على الجبهات. ليس سوى هذا الرباط جهادٌ، وكلّ ما عداه من اقتتال بين المجاهدين فتنة سيُدفَع ثمنها يوم الحساب. فالزم بيتك يا أيها المجاهد أو الزم جبهتك، ولا ترضَ بغير هذا أو تلك فتصبح وقوداً في الفتنة لا قدّر الله.

 

-5-

لا تقتصرُ الفتنة على الاقتتال بالسلاح، فإن الحرب أولها كلام، وهذه الحرب الحمقاء في الغوطة تستمد وَقودَها من التجييش المجنون الذي تدفّق كالنهر الجارف في مواقع التواصل خلال الأيام الماضية، وملأ الغرف والمجموعات الخاصة بغُثاء يصيب قارئه بالغثيان! فإذا كان إطلاق الرصاص إجراماً وجنوناً فإن التعبئة والتجييش هما أسوأ أنواع الجنون والإجرام. مَن كان قائلاً كلمة في هذا المقام فلتكن كلمة طيبة تؤلف بين القلوب وتدفع الطرفين إلى الاتفاق، فإن عجز عنها فليصمت عن الشرّ، فإن لسانه يوشك أن يكبّه في النار.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s