رمضان: هِبَةُ الله للثورة

من ذاكرة الثورة

نُشرت مع ولادة هلال رمضان الأول في سماء سوريا الجديدة (آخر تموز 2011)

 

رمضان: هِبَةُ الله للثورة

 

يملك النظام المجرم في سوريا كل أسباب القوة؛ يملك أجهزةَ أمنٍ لا يوجد مثلها في بلد في الدنيا، ويملك من المجرمين -من عناصر تلك الأجهزة ومن عصابات القتل وكتائب العدوان- ما لا يَعُدّه العادّون، ويملك المالَ والسلاح والعلاقات والاتصالات والتحالفات، ويملك مع ذلك كله جرأةً على الإجرام لا حدودَ لها واستهانةً بكل الأعراف والأخلاق والقوانين التي تواضع عليها الناس.

في وجه هذا النظام الآثم المجرم قامت ثُلّةٌ من الأحرار الأخيار ترجو ما بدا -لأكثر الناس تفاؤلاً- ضرباً من ضروب المستحيل: قامت لإسقاط النظام وإخراج سوريا من عصر الاستبداد واستعباد العباد إلى عصر الكرامة والإنسانية وحرية العباد.

قامت هذه الثلّة وليس في أيدي أبطالها شيء سوى أغصان الزيتون، فسُرعان ما كافأها الله الذي اعتمدت عليه، لم تعتمد على سواه، كافأها بأن وهبها سلاحاً لا قِبَلَ للنظام به ولا قدرةَ له على حربه… وهبها يوم الجمعة!

*   *   *

قبل عشر ساعات -من اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات- أتمّت ثورةُ الحرية والكرامة في سوريا أسبوعَها التاسع عشر ودخلت في الأسبوع العشرين. لقد كسبت تسعةَ عشرَ يوماً من أيام الجمعة المباركة، تسعَ عشرةَ محطةً من محطات الثورة، تسع عشرة درجة قفزت الثورةُ عليها من درجة إلى أخرى، فكم قطعَتْ في هذه القفزات؟ قطعت مسافةً يعجز عن تصوّر مداها الخيال.

بدأت الثورة ببضع مئات من الحرائر والأحرار ساروا في مظاهرات الأيام الأولى، أولئك صاروا جزءاً من الأسطورة لأنهم بدؤوا كل شيء. في الجمعة التالية خرج إلى الطرقات آلاف المتظاهرين. لقد تضاعف حجم “انتفاضة الغضب” عشر مرات أو عشرين؛ شكراً ليوم الجمعة.

وما زالت جموعُ الثائرين في ازدياد جمعةً بعد جمعة، فما أمسى علينا مساء جمعة “صمتكم يقتلنا” إلا وقد صاروا مليوناً أو مليونين. لقد خرج أولَ ما خرج في هذه الثورة مئاتٌ فغدا كلّ ثائر منهم عشرةَ آلاف ثائر. لقد تضاعفت الثورةُ عشرةَ آلاف ضعف في تسعة عشر أسبوعاً، في تسع عشرة جمعة من الجمعات المباركات. شكراً لك يا ربّنا على أنْ وهبتنا يوم الجمعة.

*   *   *

لكن الله أكرمُ من ذلك؛ لم يَهَبْنا يومَ الجمعة فحسب، بل مَنّ علينا الآن برمضان. ها قد صنعنا بك ما صنعنا -يا أيها النظام- وبلغنا من العدد ما بلغنا في تسعَ عشرةَ جمعة، فماذا تظننا نصنع بك في ثلاثين يوماً من رمضان، كلّ يومٍ منها يومُ جمعة أو يزيد؟

أحسب أنك كنت تتنازل عن نصف ملكك -يا نظام الإجرام- لمن يخلّصك من يوم الجمعة، وما أراك إلا مستعداً للتنازل عن نصفه الآخر خلاصاً من رمضان! فإنا نُطَمئنك: ها قد أتى رمضان، وإنّا قد عزمنا على أن نخلّصك من النصفين جميعاً؛ إنّا إلى النصر سائرون بإذن الله وأنت إلى حتفك تسير، فلن يمضي -بإذن الله- غيرُ أمدٍ يسير فنغدو نحن الآسرين وأنت الأسير.

شكراً لك يا ربّنا على أنْ وهبتَنا رمضان.

_____________

تعقيب: ذلك ما كتبته قبل خمس سنين. أردناها قصيرة يسيرة وأرادها الله طويلة عسيرة. قدّرنا أن تكون إصلاحاً محدوداً لحالنا وقدّر الله أن تكون ولادة جديدة، وما كانت ولادةٌ قطّ بلا مخاض ولا كان مخاض بلا ألم ومعاناة. وما يزال يقيننا بالله كبيراً كما كان، وما زلنا ننتظر فرجه ولو بعد حين.

اللهمّ يا أيها السميع المُجيب، يا أيها الملك العزيز، يا أيها الجبار القهار الكبير القدير: لا تضيّع تضحيات الملايين من أهل سوريا الذين وضعوا فيك الأمل واتكلوا عليك والتجؤوا إليك ووقفوا ببابك طامعين طائعين صابرين شاكرين، وكافئهم على صبرهم وجهادهم بالفوز الكبير والنصر المبين.

 

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s