الفصائلية: من تحرير سوريا إلى صَوْمَلة سوريا

“الفصائلية”: من تحرير سوريا إلى صَوْمَلة سوريا

 

مجاهد مأمون ديرانية

 

لقد غدت “الفصائلية” حالة مزمنة في الثورة السورية، ولئن كانت خياراً صالحاً في الوقت الذي نشأت فيه فقد صارت أخيراً مصدر خطر وضرر على الثورة، أو أنها أقلّ الخيارات السيئة سوءاً فيها. فكيف حصل هذا التحول؟ لكي نجيب عن هذا السؤال علينا أن نعود إلى بداية ظهور الفصائل ونلاحظ مسيرة تحولها الطويلة، لأن التغيرات البطيئة لا تُلاحَظ في وقتها إلا نادراً، فهي لا تصبح واضحة جليّة إلا بعد أن يتراكم قليلُها فوق قليلها، فيستحيل هذا القليلُ وذاك القليلُ جبالاً راسيات راسخات.

 

-1-

حينما ظهرت الفصائل في الثورة السورية كانت تشكيلات عسكريةً صرفة وكان لها عمل واضح وهدف محدد: “الدفاع عن الثورة وإسقاط النظام”. مع الوقت تغيرت معظم الفصائل، ولو قلتُ إنها تغيرت كلُّها لما بالغت! تغيرت وظيفياً وبنيوياً، فتحولت تلك “التجمعات العفوية المسلحة” البسيطة إلى أنظمة معقدة تضم هيئات شرعية وأجهزة أمنية ومكاتب سياسية ومؤسسات مدنية، ونشأت فيها مراتب ورواتب وهياكل إدارية معقدة، وفوق ذلك كله: اتصالات وعلاقات بالدول والداعمين.

 

لم يكن هذا التغير شكلياً بنيوياً فحسب، بل أثر بصورة واضحة في وظيفة تلك الفصائل، فتحولت من “جيش ثوري” إلى “أنظمة حكم مصغَّرة”.

 

هنا تكونت تلقائياً شبكاتُ المصالح المعقدة التي تنشأ مع كل “نظام حكم” مهما يكن بسيطاً وضعيفاً ومحدود الحجم! وتلقائياً أيضاً، وكما يحصل في كل نظام حاكم، تحولت الفصائل من خدمة الثورة إلى خدمة “النظام الفصيلي”. ومن حيث لم يشعر أصحابُ تلك الفصائل ولم يشعر أصحاب الثورة أنفسُهم تحول الولاء في معظم الفصائل (ولا أقول فيها كلها) من الثورة إلى الفصيل، ثم زادت الأمور سوءاً عندما صار الضابط والمعيار الذي يحكم حركة الفصيل وقراراته هو مصالح الفصيل ومصالح قياداته.

 

-2-

إن مؤسسات الحكم تعتمد غالباً على شبكة واسعة معقدة من المصالح المترابطة التي تضمن الولاء، فكل منتفع من النظام الحاكم سيدافع عنه بالضرورة، لأنه ينتفع منه ويستفيد من بقائه، وهذا هو السرّ في صمود تلك الكتلة الهائلة الصلبة التي تحيط بأي نظام وتدافع عنه وتدين له بالولاء.

 

بطريقة ما تقمصت فصائلُ الثورة السورية حالةً مشابهة، فقد نشأت فيها -مع الوقت- تلك الشبكة المعقدة من المصالح، وصار أصحابها حريصين على استمرار “الحالة الفصائلية” لضمان استمرار استفادتهم منها، وكانت النتيجة الحتمية هي أن أولئك الناس صاروا عقبة في وجه أي وحدة أو اندماج.

 

كثيرون يتصورون أن قادة الفصائل هم المسؤولون عن تكريس الفصائلية واستمرار حالة التشظّي الثوري، وهذا التصوّر غير صحيح على إطلاقه. لقد اطّلعتُ على عدة تجارب كان القادة فيها دافعين إلى الوحدة وحريصين عليها، لكن المشروع تعثر لأنه قوبل بمقاومة عنيفة من طبقات القيادة العليا والوسطى في الفصيل.

 

-3-

يعرف كل الناس أن الفصيل الواحد له قائدٌ واحد لا قائدان، فإذا اتحد فصيلان فلا بد أن يفقد أحدُ قائدَيهما منصبَه القيادي. على أن الأكثرين لا يفكرون بما وراء ذلك: إن الفصيل الواحد له قائد عسكري واحد لا قائدان، ومسؤول أمني واحد لا مسؤولان، وشرعي عام واحد لا شرعيان، ورئيس واحد للمكتب السياسي لا رئيسان، ومراقب مالي عام واحد لا مراقبان. وبعد ذلك علينا أن نتخيل أن لكل واحد من أولئك المسؤولين طاقماً متكاملاً من المعاونين والمنفذين.

 

لنحاولْ أن نتخيّل الحالة بشكل أشمل: لقد صارت للفصائل ممتلكات ومقرات ومؤسسات وبيوت وسيارات في الداخل والخارج، ووُلدت فيها طبقة جديدة من القيادات ردمت الفجوة المزعومة الموهومة بين “ثوار الخنادق” و”ثوار الفنادق”، فهم يسافرون طول الوقت بالطيارات ويقيمون في أفضل الفنادق (بل إن بعضهم يسافر بالدرجة الأولى، فقد اجتمعت بأحدهم ذات مرة في طيارة واحدة، فركب هو في أولها ومضيت أنا إلى آخرها لأقعد مع أمثالي من الدراويش) والذين أقاموا إقامة دائمة في الخارج صارت لهم شقق فاخرة وسيارات فارهة، فضلاً عمّا نعرف وما لا نعرف من الرواتب والمكاسب والامتيازات.

 

-4-

لا أقصد فيما وصفت آنفاً الانتقاص من أولئك الناس، فهم مضطرون إلى السفر في كل حال (ولكن أنتقد قطعاً سفر مَن يسافر منهم بالدرجة الأولى وهو قادر على السفر فيما دونها) ولا بد لهم من الإقامة، والفنادق الكبيرة هي وحدَها التي تقدّم مستوى مقبولاً من الأمان. ومن أقام في بلد آخر إقامة دائمة فلا غنى له عن شقة صالحة يسكن فيها وراتب يكفيه (ولكن من حقنا أن ننتقد الرواتب العالية والإسراف في نوع المسكن، وأرجو أنّ هذه الحالة ليست شائعة بحمد الله).

 

قطعاً لا أقصد أن أولئك الناس سيئون وأنهم سيقدّمون مصالحهم الشخصية على مصلحة سوريا وأهلها وثورتها، بل أزعم أن كثيرين منهم يظنون أنهم ينحازون إلى الأفضل، فيما هم يتبنَّون -عملياً- مواقف سلبية بطريقة لاشعورية. مهما يكن التفسير فإن النتيجة واحدة: لقد صاروا معطّلين لمشاريع الوحدة والاندماج.

 

لقد أصيبت الفصائل بالمرض التقليدي الذي تُصاب به أنظمة الحكم، وهو ما صار يُعرَف في الأدبيات السياسية الحديثة باسم “تغوّل وسيطرة الدولة العميقة”. إن الناس كلهم يعرفون اليوم أن “مؤسسة الحكم” التي نراها في أي نظام ليست سوى رأس جبل الجليد، وسائرُه خفيٌّ لا يُرى، على أنه أكبر أثراً وأشد خطراً من الرأس الظاهر، وليست فصائلنا الثورية استثناء من هذه القاعدة.

 

-5-

النتيجة التي آلت إليها الثورة بسبب ذلك كله كانت كارثية تماماً؛ لقد حوّلت الحالةُ الفصائلية الأراضيَ المحررةَ إلى “إمارات غير معلَنة” تتنافس غالباً وتتصارع أحياناً على السلطان والنفوذ. لقد انحسرت سيطرة النظام الأسدي عن تلك المناطق، وكان ينبغي أن تصبح حاضنة لمشروع الدولة السورية الحرة الجديدة المستقلة، ولكن ذلك لم يتحقق قط، فبدلاً من الدولة الواحدة القوية وُلدت عشرات الدُّوَيلات الفصائلية الصغيرة المتفرقة.

 

لعل أكبر تجلّيات تلك الكارثة هي اضطراب الأحجام النسبية لمكونات الفصيل. في البداية كانت تسعة أعشار طاقته البشرية والمادية تُصرَف في العمل العسكري الذي نشأ الفصيل من أجله، والعشرة الباقية في أجهزة الخدمات والدعم اللوجستي. ثم بدأت الكارثة عندما قررت الفصائل أن تجمع بين الحرب والحكم، فأنشأت هيئات مدنية ومحاكم شرعية، واستوردت تجربة “الشرعيين” من وراء الحدود (وهي “مُنتَج قاعدي” دخيل على الثورة السورية). ثم مضت الفصائل شوطاً أبعد فأنشأت أجهزتَها الأمنية الخاصة. في البداية كان وجود تلك الأجهزة مبرَّراً للحماية من الاختراق ومن الأعداء الكثيرين الذين يتربصون بالثورة، لكن الفصيل الذي تحول ببطء إلى “نظام حكم مصغّر” لم يلبث أن استدعى تجربةَ النظام الأسدي واستنسخ -في محاكاة ميلودرامية- أجهزته الأمنية التي ثار أصلاً لاستئصالها وتخليص السوريين من شرها الكبير!

 

مع الوقت تضخمت الأجسام الإدارية والشرعية وباتت قادرة على الضغط ومصادرة القرار العسكري والسياسي، وتغولت الهيئات الأمنية فتحولت إلى منظومات متكاملة تضم محاكمَ وسجوناً ومحققين ومخبرين، وباتت تنافس الجسم العسكري في القوة والنفوذ. مع الوقت تحولت الفصائل إلى نماذج مصغرة من أنظمة الحكم، مع الوقت وصلت الثورة إلى المصير الذي دافعَتْه طويلاً: “صَوْملة سوريا”.

 

-6-

قبل أسبوعين نشر معهد راند نسخة جديدة من خطته التي اقترحها سابقاً لحل المشكلة السورية (خطة سلام من أجل سوريا 2). بنى المعهد خطته الجديدة كلها على أساس كارثي، هو الإقرار بشرعية نظام الأسد والاعتماد على دستوره أساساً ومنطلَقاً للحل، وسعى إلى تكريس الأمر الواقع المتمثل في لامركزية السلطات في سوريا، معتبِراً أن الحل الممكن الوحيد هو في “اللامركزية” وليس في “الإصلاح السياسي”، ومن ثَمّ استبعد أيَّ تغيير سياسي شامل من شأنه إسقاط الأسد بشخصه أو بنظامه، واعتبر أن العمود الفقري لخطة السلام هو تثبيت وقف إطلاق النار وتكريس الحالة الحاضرة ومنحها الشرعية تحت غطاء اللامركزية.

 

باختصار: يروّج معهد راند لإبقاء نظام الأسد إلى الأبد على امتداد ما صار يُسمَّى “سوريا المفيدة”، على أن يحتفظ بالعاصمة وبالاعتراف الدولي، ثم يُترَك الفُتات لبقية المتنافسين: الأكراد الانفصاليين الذين نالوا الحظ الأوفر، وداعش التي بدأ الذين صنعوها بتفتيتها تفتيتاً مدروساً بحيث لا تنال الفصائلُ الثورية منها شيئاً يُذكَر، وبقية الفصائل الكبيرة والصغيرة التي تنتشر بالمئات على عُشْر الأرض السورية لا غير.

 

لو أن فصائل الثورة شاركت معهد راند في صياغة تلك الخطة الخبيثة لتصفية الثورة لما صنعت شيئاً يزيد عن الذي صنعته إلى اليوم، فإن مراكز النفوذ المبعثرة وممالك الطوائف المتنافسة هي أكثر الحالات توافقاً مع خطة راند للسلام، وعلى الثورة السلام.

 

-7-

منذ وقت طويل بدأت الدعوات المخلصة لتوحيد الفصائل ودمج الأجسام العسكرية الثورية الصغيرة في أجسام كبيرة جامعة، وما تزال الدعوة إلى الوحدة قائمةً حتى اليوم.

 

الدعاة إلى الوَحدة مخلصون، وأنا كنت واحداً منهم إلى وقت قريب، ولكنهم مخطئون. لقد وصلنا إلى مرحلة لم تعد الوحدة والاندماجات فيها حلاً مفيداً للثورة، لقد بتنا قريبين من لحظة الحقيقة المُرّة، قريبين من اليوم الذي سنعلن فيه وفاة الثورة ما لم تخضع الثورة كلها لعملية “هندرة” شاملة، لإعادة هيكلة كاملة، لإصلاح من الجذور.

 

الوحدة والاندماجات الجزئية ترقيعٌ مضى وقته، فإننا نواجه اليوم تحدّياً وجودياً أكبر من حجم الفصائل متفرّقةً ومجتمِعةً على السواء. إن الثورة تواجه اليوم خطر الفناء الكامل كما واجهته في أسابيعها الأولى، حينما كانت مخلوقاً ضئيلاً ضعيفاً يواجه وحشاً عظيماً فتّاكاً يفوقه حجماً وقوة عشرةَ آلاف مرة. يومَها لم ينقذ الثورةَ إلا تكتّلُها في كيان شعبي هائل بلغت عدته بضعةَ ملايين، فنشأ عن تراكم الكمّ تراكمٌ في النوع، نشأ عن اجتماع ملايين الضّعَفَة العُزْل كيانٌ عظيم جبّار.

 

مشكلة الفصائل أنها تعاملت مع ذلك الكيان الشعبي -غالباً- باستعلاء واحتقار، فتجاهلته حيناً وحاربته حيناً، وقزّمته وأقصَتْه في معظم الأحيان، ثم فشلت هي نفسها في تقديم المشروع الثوري الوطني الجامع البديل.

 

*   *   *

 

المضحك المبكي هو أن “الفصائلية” التي نشأت في أول الأمر لحماية الثورة من الفناء صارت من أكبر الأخطار التي تهددها بالفناء، ورغم ذلك لا نستطيع التخلي عنها لأنها أقل الخيارات السيئة سوءاً، ولا نستطيع إصلاحها لأنها صارت “أنظمة حكم مصغرة”، ومن طبيعة الأنظمة أنها تدافع عن نفسها وتقاوم الإصلاح والتغيير. فهل وصلنا إلى آخر الطريق؟ هل كُتب على الثورة الانهيار والفناء؟

 

لا، ليس بعد؛ ما يزال هذا المصير بعيداً بأمر الله، لكن طريقنا صعب طويل، والحاجة إلى إصلاح الثورة وإنقاذها باتت أكثرَ إلحاحاً من أي وقت مضى. لقد استنفَدْنا الوسع في مرحلة الثورة الأولى، ونحن اليوم مطالَبون بالانتقال إلى مرحلة ثانية جديدة نجدّد فيها الوسائل والأدوات.

 

التتمّة في مقالة آتية إن شاء الله.

 

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s