كلمة عن توحيد أوقات الفطر والصيام

هل يلزم أن يصوم المسلمون جميعاً ويُفطروا في يوم واحد؟

 

يتجدد بحث هذه المسألة في كل عام، وهي مسألة قديمة ولكنّ تكييفها حادث، بمعنى أن العلماء ناقشوها وأفتوا فيها من أقدم الأزمنة، لكن طبيعة المشكلة تغيرت في العصر الأخير بسبب انتشار المسلمين عبر الأرض كلها، فحيثما ذهب المرء فثَمّ مسلمون بحمد الله، وبسبب انهيار الدولة الإسلامية الجامعة وولادة الدول القطرية المستقلة التي صارت لكل منها حدود وقوانين.

إن تغير الواقع يقتضي إعادة النظر في الحكم، لأن المفتي -كما يقول ابن القيم في إعلام الموقعين- لا يفتي إلا بفهمَين، فهم الواقع وفهم الواجب في الواقع. أي أن معرفة الحكم الشرعي في المسألة لا يكون إلا بمعرفة واقعها أولاً، فحيثما تغير الواقع تغير الحكم. أضرب مثالاً باستقبال القبلة للبعيد عنها، فقد أوجب الشافعية استقبال عين الكعبة، وصحّح الجمهورُ استقبالَ جهتها (أي على التقريب) مستدلّين بحديث أبي هريرة المشهور في الباب: “ما بين المشرق والمغرب قبلة”. قالوا: لأن تحديد موضع عين الكعبة يشقّ على الناس، والحرج في الشريعة مرفوع.

هذا التعليل صحيح والحكم صالح في وقته، ولكن هل يُعقَل أن يبقى صالحاً اليوم وكل واحد من الناس يحمل في جيبه جهازاً يدله على اتجاه القبلة الدقيق في طرفة عين؟

نعود إلى مسألة توحيد الصيام والإفطار، أو “اتفاق المَطالع” كما سمّاه علماؤنا: إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد من بلدان المسلمين فهل يجب على سائر بلدان المسلمين الالتزام بتلك الرؤية والصيام والأفطار بها، أم يعتمد كل بلد على رؤيته الخاصة بحسب اختلاف المطالع؟

مذهب الجمهور هو الأول، قالوا: لأن الأمر بالصيام والفطر عام في قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا”، فلا عبرة باتفاق المطالع واختلافها. وخالف الشافعي وجماعة من العلماء فقالوا: إن التكليف في الحديث خاص بمن رأى الهلال في بلده، ولا يلزم مَن كان في بلد آخر ولم يتمكن من رؤيته.

هذا الرأي أقرب إلى الصواب وإن خالف رأي الجمهور، لأن الأرض اتصلت اليوم فلم تعد لها نقطة بداية ولا نقطة نهاية، فإذا ثبتت الرؤية في غرب القارة الأمريكية (كما حصل أمس، حيث وُلد هلال شوال فلكياً قبل الغروب في كل البلدان الإسلامية، لكن رؤيته بالعين المجردة لم تتحقق إلا في أقصى غرب القارة الأمريكية الجنوبية) فهل يثبت العيدُ في كل الدنيا برؤية المسلمين المقيمين في تلك المناطق؟ هل يقول المسلمون في أستراليا واليابان وأقصى شرق آسيا، فضلاً عن وسطها وغربها وأفريقيا وأوروبا: إذا كان إخواننا في تشيلي والأرجنتين سيشاهدون الهلال هذا المساء فلنتفق معهم ولنفطر غداً كما يفطرون؟

الذي أراه أن هذا بعيد عن الصواب، ويكفينا أن نتفق على توحيد المطالع في المناطق المتقاربة، فيصوم المسلمون في أستراليا وشرق آسيا كلهم معاً ويفطرون معاً، وكذلك يصنع المسلمون في وسط آسيا وغربها، وفي أفريقيا وأوروبا، وفي الأمريكتين الشمالية والجنوبية. الذي أراه أن هذه الدرجة من توحيد المطالع والأوقات كافية جداً، وهي حل وسط بين من يطالب بتوحيد وقت الصوم والإفطار لكل المسلمين في أنحاء الأرض، ومن يعدد هذه الأوقات في البلد الواحد، كما يصنع كثير من المسلمين في البلدان الأوربية هداهم الله.

وحجتنا في صحة تعدد المطالع واختلاف أوقات الصيام والفطر بين البلدان ما أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن كُرَيب قال: قدمت الشام فاستهل عليّ هلال رمضان وأنا فيها، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيناه ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. قلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ في الفتح: اختلف العلماء على مذاهب، أحدها أن لأهل كل بلد رؤيتهم. وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه في البلدان المتباعدة، قال: أجمعوا على أنه لا تراعَى الرؤية فيما بَعُدَ من البلاد كخراسان والأندلس. وقال بعض الشافعية: إذا تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإذا تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار جماعة الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي.

قلت: وهو الصحيح في هذا الزمان، والله تعالى أعلم. تقبل الله طاعتكم أينما كنتم، وكل عام وأنتم بخير.

 

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s