هل يمكن عملياً توحيد صيام المسلمين في كل الأقطار؟

هل يمكن عملياً توحيد صيام المسلمين في كل الأقطار؟

 

علّق على المقالة السابقة أخٌ فاضل قائلاً: ظننت أنك ستدعو إلى توحيد الصيام والإفطار بعدما انتشرت وسائل التواصل وصار نقل الخبر سهلاً. أفليس الأجمل والأطيب للنفوس أن يصوم المسلمون أمة واحدة ويفطروا أمة واحدة؟

لا أخي الفاضل، لن أطالب بتوحيد صيام الأمة وفطرها لأن هذا الأمر مستحيل عملياً.

إن العبادات كلها -ما عدا الحج والعمرة- ترتبط بالزمان فقط ولا ترتبط بالمكان (حتى الزكاة التي تجب بحلول الحول أباح أكثر العلماء إنفاقها في غير بلد المال، وحكاه بعضهم إجماعاً) فصلاة المغرب مثلاً تجب على أهل كل بقعة من الأرض إذا غربت شمسهم. ونحن نتغاضى في هذه الحالة عن الفروق القليلة الدقيقة، فلا نؤقت ميقاتين أو ثلاثة مواقيت لأهل المدينة الواحدة وإن بلغ عرضها خمسين كيلاً، وهو أمر مألوف في المدن الكبرى (metropolitan) في عالمنا اليوم، ومنها مدن إسلامية كثيرة كالقاهرة وجاكرتا وإسطنبول.

إن مدينة بهذا الاتساع يبلغ عرضها على سطح الأرض نصف درجة قوسية ويختلف وقت الأذان بين طرفَيها بمقدار دقيقتين، ولكنك لن تجد أي تقويم يقول إن للمدينة الواحدة أكثر من وقت للصلاة الواحدة (اللهم إلا في سوريا اليوم، أرض العجائب، حيث تنازعت الجماعات على المساجد والمواقيت) أي أن الفرق الدقيق لا يؤخَذ به. لكن ماذا لو انتقلنا إلى الشرق أو الغرب مئتَي كيل إلى مدينة أخرى؟ عندها سنجد توقيتاً آخر للصلاة يوافق مواضع الشمس في تلك المدينة.

الصيام لا يختلف عن الصلاة من هذه الناحية لأنه يعتمد -مثلَها- على الحركة الظاهرية لجرم سماوي، الصلاة على الشمس والصيام على القمر، فلماذا نستنكر اختلاف الصوم في البلدان المختلفة ولا نستنكر اختلاف الصلاة؟

المشكلة التي تضطر الأمةَ إلى اعتماد هذا الحل هي انتشار المسلمين على ظهر البسيطة كلها، فلم يعد لدولة الإسلام أولٌ ولا آخر، كما رأيتَ في المثال الذي ورد في المقالة. انظر مثلاً: لو أن الاقتران وقع فوق مكة المكرمة فلن يكون ثمة هلال أصلاً في آسيا كلها، وسوف يولد ولن يكون مرئياً فوق أوروبا وأفريقيا، وسوف يشاهَد بصعوبة في أمريكا، وعندها سيقول مسلموها: عيدنا غداً. فهل يفطر بفطرهم مَن لم يولد الهلال في بلدانهم ولا يمكن أن يشاهَد فيها البتة؟ هذه فتوى جريئة لا يقول بها أحد. طيب، هل تمنعهم من الفطر وقد رأوا الهلال عياناً لأن مسلمي الشرق لم يروه؟ هذا عندهم يوم عيد وصوم يوم العيد ممنوع.

أرأيت إلى صعوبة المسألة من الناحية العملية؟ لا بد أن يقع في المحظور مسلمو شرق العالم أو يقع فيه مسلمو غربه لو ألزمنا الأمةَ كلها بتوحيد المطالع والصيام والفطر معاً. فكيف يحل المطالبون بالتوحيد هذه المشكلة، أم أنهم لم يفكروا فيها أصلاً؟

لذلك اخترت حلاً وسطاً بين التوحيد الكامل (غير الممكن) والفوضى العارمة التي تعيشها بعض البلدان، وهو أن تلتزم مناطق جغرافية واسعة بمواقيت صوم وفطر واحدة، ولعل هذا هو أقصى ما يمكن تحقيقه من الناحية العملية.

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s