داريّا تنتظر الوفاء من أهل الوفاء

داريّا (أيقونة الثورة)

تنتظر الوفاء من أهل الوفاء

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

من حيث لم يتوقع أحد وُلدت في سوريا ثورة. في الثامن عشر من كانون الثاني 2011 ظهرت إلى الوجود صفحةٌ حملت الاسمَ المحرَّم “الثورة السورية ضد بشار الأسد”. دعت الصفحة إلى الخروج في “يوم غضب” سوري في الخامس من شباط، وفشلت المحاولة. كررت الصفحة الدعوة في الرابع عشر من آذار، وفي اليوم التالي خرجت مظاهرة الحميدية الشهيرة. لقد انفجر البركان الذي لن يخمد بعد ذلك أبداً بقدرة الله. لقد بدأت أعظم ثورات العصر الحاضر وواحدةٌ من أعظم الثورات في التاريخ.

 

-2-

لم تكن مظاهرة الحميدية “مظاهرة دمشقية” بقدر ما كانت “مظاهرة سورية”، مشى فيها بضعُ مئات من أبناء دمشق وريفها ودرعا وحمص والجزيرة وغيرها من المناطق والمحافظات. قد تُنشَر التفاصيل ذات يوم فنعرف الروّاد الأوائل بأسمائهم وقد لا يُعرَفون. وما يضرّهم عُرِفوا أم لم يُعرَفوا في سجلات أهل الأرض وقد حُفظت أسماؤهم في سجل السماء الذي لا يَبلَى، وسوف يجدون جزاءهم في علّيين عند مَن لا يضيع عندَه أجرُ العاملين؟

 

-3-

في ذلك اليوم المشهود مشى في مظاهرة الحميدية التاريخية عدد من شبان داريا الذين حملوا مشعل ثورتها فلم تخمد شعلتُه في أيديهم بعد ذلك قط. في اليوم التالي شارك بعض أبناء داريا في اعتصام الداخلية، فاعتُقل منهم ثلاثة شبان وفتاتان، وحينما تفجرت المظاهرات بعد ذلك بيومين في درعا وحمص ودمشق وبانياس -في “جمعة الكرامة”- كانت حيطان داريا قد طُلِيت بشعارات الثورة فانتشر الأمن الجوي في الشوارع والحارات وحال دون خروج المظاهرات. في الجمعة التالية، “جمعة العزة”، لم تستطع عصابات الأمن وقف الغضب الديراني. في ذلك اليوم انضمت داريا إلى الثورة بكل عنفوانها، ثم لم تخرج من ألبوم الثورة بعد ذلك أبداً.

 

-4-

لن يستطيع أحدٌ أن يحصي مدن سوريا الثائرة، فإن المجد يجلّل الأرض السورية كلها من أدناها إلى أقصاها، فهي بين متقدم سابق ومتأخر لاحق، وفي كلٍّ خير. لكن المدن كلها تمتعت باستراحات وإجازات في بعض الأوقات، إلا داريا، المدينة التي لم تتوقف عن الثورة يوماً لمّا كانت ثورتنا سلمية، ولم يَضَعْ أبطالُها الميامين السلاحَ يوماً منذ حملوا السلاح، فهي أبداً أرض الحرب وهم أبداً أهل الرباط، ولقد تساقط في طريق الثورة مَن تساقط وهم ثابتون، ويئس فيها من يئس وهم لا ييأسون.

 

-5-

لم يسجل كتاب الثورة أن داريا ارتاحت يوماً منذ بدأت ثورةُ الشام المباركة. خمسة أعوام من الثورة بلا ملل، أربع سنين من الحصار والقصف والتدمير ولا خضوع، سبعة آلاف برميل ولا استسلام. لقد غدت داريا “سراييفو سوريا”، “ستالينغراد سوريا”، لقد غدت “أيقونة الثورة السورية”. فهل تفرّط الثورة في أيقونتها؟ هل تتخلى الثورة عن البلدة التي لم تتخلّ يوماً عنها؟ أهكذا يُرَدّ لهؤلاء الصادقين الصامدين الصابرين الجميل؟

 

إن التاريخ الذي سجّل أمجاد داريا ما زال يسجل، فلينظر كل قادر على نجدة داريا وكل جار لها وقريب: كيف يحبّ أن يَظهر اسمُه في سجلات التاريخ؟

 

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s