النظام الدولي أم الأخدود؟

هل نتعايش مع النظام الدولي أم نقفز في الأخدود؟
(جواب شرعي أصولي)

مجاهد مأمون ديرانية


قالوا: ليس صواباً أن نتعايش مع النظام الدولي ولا يسمَّى هذا انتصاراً ولو حفظنا به رأس المال وأمة الإسلام، إنما الانتصار أن نتأسّى بمؤمني الأخدود، فنقفز في النار ولا نتنازل أو نتهاون في دين الله. أحقٌّ ما يقولون؟

-1-

إن قيل إنّ قصةَ الأخدود نصٌّ قرآني يفرض على حَمَلة العقائد أن يموتوا في سبيلها ولا يترخّصوا فيها، إن قيل ذلك قلنا: إن القرآن ساق هذه الحكاية للاعتبار لا للاتباع، ليواسي المسلمين الذين اشتدت عليهم المحنةُ في مكة ويخبرهم أن غيرهم ابتُلي بأكثر مما ابتُلوا به فصبروا ولم ييأسوا ولم يستسلموا (وما أشد حاجتَنا في سوريا اليوم لاستحضار هذه المعاني العظيمة). إنه خبر قرآني هدفه المواساة والتثبيت فحسب، أما الاتباع فلا، فإن الموت وعدم الترخّص شُرِعَ لأولئك القوم ولم يُشرَع لنا.

لقد اشترط الأصوليون للاحتجاج بشرع مَن قبلنا أن لا يَرِدَ في شرعنا ما يعارضه، فأين يذهب مَن يطالبنا بالاقتداء بمؤمني الأخدود بقوله صلى الله عليه وسلم: “إن عادوا فَعُدْ”، وقوله تعالى: {إلا من أُكره وقلبه مطئمن بالإيمان}؟ لو صحّ الاستدلال بآية البروج وفُرض حكمُها على أمة الإسلام لصحّ الاستدلال بالآية الأخرى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}! لكن أحداً لا يقول إننا مأمورون بقتل أنفسنا تكفيراً عن ذنوبنا كما أُمر بنو إسرائيل، بل نحن مأمورون بالنقيض: {لا تقتلوا أنفسكم}. وكذلك لا يقول عالم ولا يقول عاقل إننا مأمورون بالقفز في الأخدود لو خُيِّرنا بين النار والترخّص في دين الله.

-2-

وإن قيل “إننا نستخرج هذا الحكم بالقياس” قلنا: لا، هنا لا يصحّ القياس. لقد أراد مَن استدعى موقفَ الأخدود إلى حالتنا الراهنة أن يقيس السوريين بضحايا الأخدود فيستخرج حكم هؤلاء من حكم أولئك، وأولئك فضّلوا النار على التنازل لطاغوت زمانهم، فإذن ينبغي أن يقذف المسلمون اليوم أنفسَهم في النار ولا يستسلموا لطاغوت العصر، النظام الدولي الذي تقوده قوة الشر الكبرى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية.

القياس هنا فاسد من أساسه لخلل ظاهر في أحد أركانه الأربعة. إن القياس -كما يقرره علماء الأصول- هو “تسوية فرع بأصل في حكم لعلّة جامعة بينهما”. وقد اشترط الأصوليون في العلّة أربعة وعشرين شرطاً منها أن لا تصادم دليلاً أقوى، فلا اعتبارَ بقياسٍ يصادم النص أو الإجماع، فإذا صادمهما سُمّي القياسُ “فاسدَ الاعتبار”.

ألا ترون أن قياس مسلمي اليوم بمؤمني الأخدود يناقض صريح القرآن وصحيح السنّة؟ اقرؤوا قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقوله: {اتقوا الله ما استطعتم} وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقوله: {فمَن اضطُرّ غيرَ باغٍ ولا عَادٍ فلا إثمَ عليه}. واقرؤوا دعاء المؤمنين ورجاءهم لربهم: {ربَّنا ولا تَحْمِل علينا إصْراً كما حملته على الذين من قبلنا} ثم اقرؤوا استجابة الرب الكريم الرحيم: {ويضع عنهم إصرَهم والأغلالَ التي كانت عليهم}. واقرؤوا قوله عليه الصلاة والسلام: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”؛ قال النووي: “هذا الحديث من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أُعطيها صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه ما لا يُحصى من الأحكام”.

*   *   *

ختاماً نقول لمن يصرّ على تحدي النظام الدولي ويريد أن يُدخلنا في حرب مع الأحمر والأسود ويجعلنا وقوداً وحطباً في معركة خاسرة ما نزال نشاهد إخفاقاتها وكوارثها منذ ثمان وعشرين سنة، نقول له: إن شئت الانتحار فلا تنحر معك أمة الإسلام، وإذا فضّلتَ نار الأخدود على محاورة ومداورة النظام الدولي فليس هذا هو الرأيَ الذي يراه أهلُ الشام.

هذا المنشور نشر في عِبَر وفِكَر وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على النظام الدولي أم الأخدود؟

  1. يقول قاسم موسى:

    ما الفرق بين النظام السوري والنظام الدولي؟ لماذا نرفض التعايش مع من يقتلنا ونقبل التعايش مع من يقتل غيرنا؟ ولماذا بعد ذلك ننتقد غيرنا إن صنع مثلنا فقبل التعايش مع من يقتلنا ورفض التعايش مع من يقتله؟

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s