ما بعد الفصائليّة: من الثورة إلى الدولة

ما بعد الفصائليّة: من الثورة إلى الدولة


مجاهد مأمون ديرانية


ملاحظة استباقية: أرجو قراءة مقالة “الفصائلية من تحرير سوريا إلى صَوْمَلة سوريا” قبل قراءة هذه المقالة، فإن تلك الأولى كالمقدمة أو المدخل لهذه الثانية؛ هناك اجتهدت في تشخيص المرض وهنا أجتهدُ في البحث عن وصفة للشفاء بإذن الله.

-1-

أمضى الكيمائيون القدماء (الخيميائيون) مئات السنين في محاولات يائسة لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب. بعد قرون طويلة من الوقت المهدور والثروات الضائعة أدركوا أن المعادن الرخيصة تبقى معادن رخيصة مهما فعلوا ولا يمكن أن تتحول إلى ذهب، وأن “حجر الفلاسفة” الذي كانوا يبحثون عنه لتنفيذ تلك المعجزة ليس سوى خرافة من أكبر الخرافات وأطولها عمراً في تاريخ الإنسان.

بطريقة مشابهة وصل الناس في سوريا -بعد خمس سنوات من الثورة- إلى قناعة جازمة بأن الحالة الفصائلية لا يمكن أن تتطور إلى دولة مستقلة مهما طال الزمن. نعم، يمكن أن تستمر الفصائل في قتال الأسد وحلفاء الأسد في حرب استنزاف طويلة ستُنهك الطرفين وتستهلك مواردهما البشرية والمادية، ويمكن أن تحتفظ الفصائل بقطع صغيرة أو كبيرة من الأراضي المحررة لوقت قد يقصر أو يطول، ويمكن أن تنشئ فوقَها دُويلات ومناطق نفوذ على الطريقة الصومالية. كل هذا ممكن، ولكن الفصائل لا يمكن أن تُنتج دولة موحدة مستقلة وهي شراذمُ مبعثرة، ولو أن نظام الأسد سقط وسوريا على هذه الحالة فسوف يمضي دهرٌ قبل أن تتمتع سوريا بالأمن والاستقرار.

ما العمل إذن؟ يقول هنري فورد في عبارة شهيرة متداوَلة في الثقافة الغربية: “إذا ثابرت على العمل نفسه فسوف تستمر في حصاد النتائج ذاتها”* فإذا أردنا تجنب إعادة إنتاج الوضع الصعب الذي يهدد ثورتنا بالفناء فعلينا أن نغير العمل الذي نعمله الآن. الحل هو في تغيير المقدمات لتغيير الخواتيم.

* If you always do what you’ve always done, you’ll always get what you’ve always got.

-2-

بدأت الثورة السورية بطريقة عفوية عشوائية بلا تجربة سابقة ولا إعداد أو تأهيل، فتداخلت ميادينُ العمل الثوري المختلفة، وعمل الناس في غير مجالاتهم وفي غير اختصاصاتهم، واعتمدوا على أسلوب التجربة والخطأ أكثرَ من اعتمادهم على الخبرة والعمل المؤسّسي المنهجي.

رغم ذلك نجحت الثورة في سنواتها الثلاث الأولى في تحقيق إنجازات كبرى، فقد حوّلت حالة الغضب والاحتجاج من حراك محدود إلى مشروع شعبي جماعي على مستوى البلاد، وحشدت أعداداً هائلة من السوريين في المشروع الثوري بمختلف مجالاته، و”خرّجت” كفاءات هائلة استفادت من التجربة الثورية الثريّة، وجعلت الثورةَ السورية “حالة إسلامية عالمية” استقطبت اهتمام الأمة ودعمَها، وحررت مساحات واسعة من سوريا، واستطاعت الصمود رغم التحديات الهائلة وكثرة الأعداء وقلّة الأصدقاء.

كان ينبغي عندها الانتقال إلى مرحلة ثانية تختلف عن المرحلة الأولى في الأدوات والسياسات، كان ينبغي فرز الكفاءات الثورية وإعادةُ توزيعها على المؤسسات الثورية المتخصصة للخروج منها بأعلى “منفعة حدّية” كما يقول علماء الاقتصاد. بدلاً من ذلك تجمدت الثورة وتكلّست في النماذج والبُنى الثورية المبكرة فلم تجتهد في تطويرها، ثم استمرت بالدوران في حلقات مفرغة من النشاط الثوري المُجْدي أحياناً وغير المجدي في أحيان أخرى كثيرة، وفتحت جبهات استنزاف على كل المستويات: العسكري والإنساني والمالي، حتى أوشكت على الوصول إلى حالة كارثية تنعدم فيها الموارد البشرية والمالية والعسكرية فتُضطَرّ -لا قدّر الله- إلى الاستسلام.

-3-

كانت الثورة -في بدايتها- في عنفوانها الكامل وكانت قادرة على الإبداع والتوليد، فبدأت الأجسام الاختصاصية والكيانات الاحترافية بالظهور تلقائياً من داخل الحاضنة الشعبية الهائلة التي فجّرت الثورةَ وحملتها وحضنتها وقدمت في سبيلها كل ما استطاعت تقديمَه من أموال وأرواح وخبرات وأوقات، وسرعان ما تكوّنت مجالسُ محلية لإدارة البلدات والمدن المحررة وانتشرت المؤسسات الخدمية والمنظمات الإغاثية والإنسانية في جميع أنحاء سوريا.

كان يمكن لتلك البداية المدهشة أن تتمخض عن أفضل تجربة ثورية في العصر الحديث، لولا أن الفصائل كان لها رأي آخر: “مَن حرر الأرض يحكم الأرض”. وهكذا بدأ نزاعٌ لم ينتهِ قطّ بين الفصائل العسكرية والهيئات المدنية.

وتفاوتت شدة النزاع بين منطقة وأخرى، ففيما تمتعت الهيئات المدنية في غوطة دمشق بقدر كبير من الحرية والاستقلال -على سبيل المثال- بلغ الضغط على مثيلاتها في إدلب غايتَه وصولاً إلى الإلغاء الكامل، حيث سيطر جيش الفتح على المرافق العامة واحتكر الإدارة المدنية، ولم يسمح حتى للحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف بحمل نصيبها من المسؤولية، مفضّلاً الاستعانة -في بعض الحالات- بمؤسسات نظام الأسد على الاستفادة من مؤسسات الائتلاف!

مع تفاقم الحالة الفصائلية واستمرار الانفصام والتنافس بين الكيانات العسكرية والمدنية والسياسية فقدت الثورة قدراً كبيراً من فعاليتها ودخلت في استنزاف مُنْهك، وبلغت درجةً من الاستعصاء لم تبلغها في أي مرحلة سابقة من تاريخها، وباتت عاجزةً (أو شبهَ عاجزة) عن مغالبة التحديات العسكرية والسياسية الكثيرة التي تزداد صعوبةً وشراسةً يوماً بعد يوم.

-4-

إن الحكمة والمصلحة تُلزمنا بأن نعترف بشجاعة بأن “المرحلة الأولى” من مراحل الثورة قد استنفدت أغراضها ووصلت إلى سقفها الأعلى، فقد قدّم الثوار المنخرطون في العمل الثوري أقصى ما يمكنهم تقديمه ضمن الأُطُر والبُنَى الثورية الحالية، وفقدت الثورة كثيراً من عناصرها المهمة بالشهادة والاعتقال والتقاعد والهجرة الطوعية، وانتهى الأمر بالثورة إلى التحول من تمرد على نظام حاكم محلي إلى الانخراط في صراع على النفوذ والمصالح تديره القوى الإقليمية والدولية.

لقد بات إنقاذ الثورة هدفاً عاماً يسعى إليه كثيرون، ولو قلت إن عشرات المحاولات بُذلت في هذا السياق خلال السنتين الأخيرتين لما بالغت، إلا أن الملاحَظ أن تلك المحاولات كلها (أو جلّها) كانت تدور على قاعدة توحيد الفصائل، اعتقاداً بأن وَحدة الفصائل في كيان عسكري جامع سببٌ كاف لإنقاذ الثورة وإخراجها من الخطر إلى الأمان.

إذا كانت تلك المحاولات العديدة قد أثبتت أي شيء فهو أنّ توحيدَ الفصائل أبعدُ منالاً من ألبان العصافير، وأن أي مشروع وحدوي هو مشروع خاسر لأن ما يُبذَل فيه من جهد لا يعادل فوائد مخرجاته ذات العمر القصير، فإن الفصائل التي تتحد معاً بعد جهد قد يستمر عاماً كاملاً لا تلبث أن تتفرق مرة أخرى بعد أشهر قليلة، وقليلاً ما كانت اندماجاتها اندماجات حقيقية انصهارية قادرة على الصمود على المدى الطويل.

-5-

النتيجة: لقد بتنا أخيراً في حاجة ملحّة إلى مشروع إنقاذ جذري بعيداً عن الترقيع والتجميع. علينا أن نعيد هيكلة الثورة لإنتاج بنية ثورية جديدة تصلح أن تكون جسراً بين حالة الفصائلية الراهنة ومشروع الدولة المستقلة الذي نحلم به، وهذا المشروع الطموح لا يمكن تنفيذه بتجميع الكيانات القائمة -عسكريةً وغيرَ عسكرية- بصورتها الراهنة، فلو أننا اقتصرنا على التجميع فسوف نعيد إنتاج الحالة الحاضرة بأسماء جديدة فحسب. أرجو أن تتذكروا مرة أخرى عبارة هنري فورد التي وردت في مطلع المقالة.

إن “إعادة هيكلة الثورة” عملية جذرية تحتاج إلى شجاعة وجرأة وإخلاص، وقد تتسبب في تفكيك جزئي لبعض المؤسسات الثورية الحالية وإعادة تركيبها في كيانات جديدة، على أن يُراعَى في هذه العملية ضابطان رئيسيان: (أ) فك الاشتباك بين المؤسسات الثورية المختلفة والفصلُ بين السلطات العسكرية والمدنية والقضائية. (ب) إعادة توزيع الكوادر البشرية على المؤسسات الثورية حسب الكفاءة والخبرة والاختصاص.

إن هدف “إعادة هيكلة الثورة” ليس حل الكيانات الحالية ودمجها في كيانات موحدة، فقد ثبت أن هذا الإجراء مستحيل على مستوى الفصائل العسكرية والمؤسسات الثورية غير العسكرية على السواء، ولن يؤدي السعي في هذا الاتجاه إلاّ إلى إضاعة المزيد من الوقت الثمين. إن ما ينبغي أن نسعى إليه هو إنتاج أجهزة ثورية مركزية من خلال اجتماع المؤسسات الثورية على مبدأ الشراكة والتنسيق والتعاون الطوعي، وصولاً إلى كيان ثوري وطني جامع يقود الثورة السورية ويقضي على حالة التشرذم والشتات.

-6-

مهما طال الزمن تبقى الفصائل فصائل، فإنّ أقصى ما يمكن أن تصل إليه “الحالة الفصائلية” لن يزيد عن مناطق نفوذ مبعثرة، أما “الأجهزة الثورية المركزية” فإنها نواة صالحة لإنشاء دولة، فهي يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مؤسسات الحكم في الدولة المستقلة المرجوّة.

إن الثورة تملك ما يكفي من الكفاءات لتكوين “الأجهزة الثورية المركزية” المطلوبة، لكن كثيراً من تلك الكفاءات ما يزال محجوباً بسبب “احتكار السلطة” الذي مارسته الفصائل، وقد آن الأوان لتدرك هذه الفصائل أن الثورة أكبر منها بكثير؛ إنها مشروع كبير لولادة دولة كاملة، وهو من الضخامة والثقل بحيث يحتاج إلى أعداد هائلة لحمله ونقله من عالم الأحلام إلى عالم الوجود.

ما هي الأجهزة الثورية المركزية التي نحتاج إليها ولا نستطيع الاستغناء عنها؟ لعل أهمها ما يلي: قيادة عسكرية عليا (أو هيئة أركان الحرب لقوى الثورة)، ولجنة سياسية مركزية، وجهاز قضائي موحد (يضم المحكمة الثورية العليا)، وإدارة عامة للمجالس المحلية وشؤون اللاجئين، وجهاز إعلامي مركزي، وجهاز موحد لأمن الثورة، ومؤسسة مركزية للتصنيع العسكري، وهيئة عامة للإغاثة (قد تتضمن إدارة عامة لتشغيل المشاريع التنموية)، وهيئة عامة للخدمات الطبية، وهيئة عامة للتعليم، وجهاز مركزي للتخطيط الإستراتيجي والدراسات المستقبلية، بالإضافة طبعاً إلى الصندوق العام وجهاز الصرف المركزي والرقابة والتفتيش.

-7-

لا نستطيع تنفيذ مشروع الانتقال من حالة الشرذمة الثورية الحالية إلى الحالة النموذجية المطلوبة دون توفر “كيان حامل”، جهة تتبنى المشروع وتستطيع الاتصال بأطرافه المختلفة وتملك حداً أدنى من التأثير والمرجعية والحياد. ربما لا يوجد في الفضاء الثوري في الوقت الحاضر من يملك هذه المؤهلات سوى “المجلس الإسلامي السوري”، فهل يتقدم للقيام بهذه المهمة الجليلة؟ سواء أكان المجلس هو حامل المشروع أو غيره فيمكنه أن ينفذ المهمة المطلوبة بقدر قليل من الجهد إذا امتلك الحد الأدنى من أدوات التخطيط والتنفيذ، ويمكنه إنجاز المهمة بالترتيب التالي:

تنظيم مجموعة مؤتمرات تنفيذية يُدعى إلى كل واحد منها العاملون في مجال محدد من المجالات الثورية، فتُجمَع في مؤتمر واحد -على سبيل المثال- المنظماتُ الإنسانية والإغاثية التي ستنشأ عنها “الهيئة العامة للإغاثة”، وسوف يكون من أهداف هذا المؤتمر كتابة نظام الهيئة الأساسي وإنشاء الصندوق العام وانتخاب “اللجنة التنفيذية” المكلفة بقيادة الأعمال الإغاثية والإنسانية في سوريا.

سوف تُنظَّم مؤتمرات مشابهة تجمع الأمثال مع الأمثال في مجالات العمل الثوري المختلفة، ويمكن عقد أكثر من مؤتمر واحد في وقت واحد لتوفير الوقت. وينبغي أن تكون القاعدة هي: توجيه الدعوات لكل المؤسسات الثورية المعنية ثم “العمل بمَن حضر”، بحيث لا يتعطل المشروع إذا تقاعس أو تخلّف عن المشاركة كيانٌ صغير أو كبير، حتى لو كان بحجم حركة أحرار الشام ضمن الكيانات العسكرية أو بحجم الائتلاف الوطني ضمن الكيانات السياسية.

بعد انتخاب اللجان التنفيذية لأجهزة الثورة المركزية ستُجمَع هذه اللجان كلها (ويحسن أن يُضاف إليها عدد من الخبراء والعلماء والمفكرين المستقلين) فينشأ من اجتماعها أعلى وأشمل كيان جامع للثورة، يمكن أن نسمّيه “المؤتمر السوري العام”، وسيكون عليه انتخاب “الأمانة العامة” و”المكتب التنفيذي” الذي يقود الثورة ويمثلها في الداخل والخارج ويضع نهاية لحالة التشرذم والتمزق والشتات.

-8-

سيصبح “المؤتمر السوري العام” هو المجلس الأعلى الذي يمثل الثورة ويجمع مكوّناتها المختلفة ويقوم بدور برلمانها المؤقت ويفرز قيادتها التنفيذية، وأهم ميزات تكوينه على الصورة الموصوفة آنفاً أنه لا يُقصي أيَّ مكوّن من المكونات الثورية، ولا يشترط على الكيانات الثورية حل أنفسها أو الاندماج بغيرها، ويمنح الجميع فُرَصاً عادلة للمشاركة في قيادة الثورة وصناعة القرار، وأنه يبني المؤسسات الثورية من الأسفل إلى الأعلى بناء مؤسّسياً شورياً، وأنه يمنح القاعدةَ الشعبية دوراً كبيراً في التأثير والمشاركة والاختيار.

هذا المشروع سيتيح للثورة الانتقال من الانشغال بإطفاء الحرائق والاستجابة للتطورات والأحداث بردود الأفعال إلى صناعة الأحداث والتخطيط الإستراتيجي الذي يتعامل مع الثورة بأبعادها المكانية الواسعة والزمانية الممتدة، وقد صار هذا كله واجبَ الوقت لأن تكرار التجارب السابقة لن يؤدي إلا إلى المزيد من استهلاك وقت الثورة الذي يتآكل باستمرار.

آن الأوان لتنفيذ هذا المشروع وتأسيسه على الاختصاص والكفاءة لا على الولاء الفصائلي وغيره من الاعتبارات الجزئية. آن الأوان لتجديد قيم الثورة وإعادة توجيهها لتحقيق أهدافها الكبرى التي انطلقت من أجلها أول مرة. آن الأوان للانتقال من الشعارات إلى الخدمات ومن الأيديولوجيا إلى التكنوقراط ومن منطق الثورة إلى منطق الدولة. آن الأوان لنخرج من فصائليتنا ومن مشروعاتنا الجزئية والشخصية التي أنهكت جهادنا وطوّلت محنتنا وباعدت بيننا وبين استحقاق الانتصار.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s