صبراً يا دارَيّا

صبراً يا دارَيّا

مجاهد مأمون ديرانية

هذه مقالة عمرها أربع سنين، نشرتها بتاريخ 27/8/2012 على إثر مجزرة داريا الشهيرة التي ارتكبتها عصابات نظام الأسد المجرم وسقط فيها أكثر من أربعمئة شهيد من المدنيين العزل، نصفهم من النساء والأطفال. ألحّ عليّ الليلةَ خاطرٌ باستخراجها من الأرشيف وإعادة نشرها، ليعلم الناس أن داريّا لم تستحق لقب “أيقونة الثورة” عبثاً، فقد كانت في مقدمة المدن السورية ثورةً وتضحيةً، وكانت على الدوام المثلَ الأعلى في الصبر والصمود. حماها ونصرَها الله.

-1-

لم تكن دارَيّا غريبة عن البطولة والتضحية قبل اليوم؛ لقد حملت وسامَ الشرف منذ أيام الثورة المبكرة، لكن الأوسمة درجات والتضحيات طبقات، ولقد حلّقت داريا اليوم فبلغت طبقاتها العُلا ونالت أرفع الأوسمة ودفعت أغلى الأثمان. داريا اليوم، وبالأمس معضميّة الشام، وقبلهما التل ويَلدا وقطَنا وجدَيْدة عرطوز، كلها أسماء ستذكرها الأجيال ويروي أخبارَ بطولاتها وتضحياتها الأجدادُ للأحفاد.

لقد كانت داريا قلعة من قلاع الثورة السلمية يوم انطلقت الثورة السلمية في أرض الشام، وهي اليوم قلعة من قلاع الجهاد ومصنع من مصانع الرجال والآساد. سلام عليك يا داريّا وسلام على أهلك الكرام؛ لئن فقدتم اليومَ طائفةً من الأحباب والأصحاب فإنكم كسبتم صفحة في كتاب المجد والكرامة والعَلاء، فلقد قدّم شهداؤكم أنفسَهم ثمناً للكرامة والحرية وجادوا بالدماء، أولئك الأبطالُ الأجوادُ هم سفراؤكم إلى سِفْر البطولات والأمجاد.

-2-

اغتال النظام المجرم من كرام أهلنا في داريا وفي غيرها ألفاً في ثلاثة أيام. ماذا يريد؟ أن نرهَب ونرعَب فندع الثورة ونرضى بالدنيّة والخنوع؟ هيهات منّا الخضوع. ما علم النظام أننا لو اغتالنا جميعاً إلا ألفاً لثبت الألفُ وأكملوا الطريق.

لقد قتل منا في أول شهر مئات، فدفن الأبطالُ موتاهم وأكملوا الطريق. ثم قتل في الشهر بعد الشهر ألفاً بعد ألف، ولبث الأبطال يدفنون موتاهم ويكملون الطريق. وها هو قد قتل في رمضان خمسة آلاف، ثم صار يقتل ألفاً في كل أربعة أيام، وما يزال الأبطال صامدين، وما يزالون يدفنون الشهداء ويمضون في الطريق.

ويلك يا نظام الإجرام؛ ماذا فعلت في داريّا؟ ماذا فعلت في سوريّا؟ أظننت أنك تقف ثورةَ شعب إنْ قتلت مئات هنا وقتلت مئات هناك؟ لو أنك قتلت في اليوم ألوفاً وعشرات ألوف فإنها ماضيةٌ إلى نصرها وإنك ماضٍ إلى حتفك إن شاء الله.

-3-

ليس في الدنيا صعود بلا نزول ولا نزول بلا صعود، ولا طال ليلٌ قطّ طولَ الأبد، وإن ارتفاعك قد انقضى -يا أيها النظام المجرم- فأنت في انحدار، وإنّ ليلك اخترقَته خيوطُ الفجر الجديد فهو إلى زوال. أمَا إنه ما جَنّ على الشام ليلٌ أشدُّ سواداً وأطول طولاً من هذا الليل البهيم، ولكنّا آلينا أن نطفئ الظلام بالشموع، فكل شهيد يمضي شمعةٌ تتّقد، ولقد بلغت الشموع إلى اليوم ثلاثين ألفاً أو تزيد، ثم أضافت داريا الليلةَ إليها بضعَ مئين.

ثلاثون ألف شمعة كل شمعة منهنّ شُعاعة تخترق حجاب الليل فتبدّد قطعةً من الظلام، ولقد اجتمعت الشعاعاتُ إلى الشعاعات حتى اقتربت أن تصبح شمساً ستأكل ظلام الظلم وتحرق نظام الإجرام، عمّا قريب بإذن الله ذي الجلال والإكرام.

كم هو واهم هذا النظام؛ يحسب أنه يغلب بحملة آثمة مجرمة شعباً ألِفَ الموت كما يألف سواه الحياة، شعباً قرر أنه يَفنى أو ينتصر. فمِن أين له أن يغلبكم يا عمالقة الشام؟ يا أبطال الزمان؟ كم هو واهم، ما درى أنه مغلوبٌ -بإذن الله- وأنكم أنتم الغالبون ولو بعد حين.

*   *   *

صبراً يا داريّا، صبراً يا سوريّا، لقد أوشكت شمس الحرية أن تشرق من وراء الأفق القريب.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s