بين الذوبان في النظام الدولي والقفز في الأخدود

بين الذوبان في النظام الدولي والقفز في الأخدود

مجاهد مأمون ديرانية

تابعت الحوار الصاخب الذي استمر طويلاً بعد نشر مقالة الأخدود، ورأيت أن أكثر الردود لم تفهم من المقالة إلا الانحياز إلى أحد طرفَي الثنائية الشهيرة: إعلان الحرب على النظام الدولي، أو الذوبان فيه والرضا والاستسلام. وكلاهما تطرف مذموم، وإنما الخير والصواب في معرفة العدو والتعامل الصحيح معه، فإنّ بين الحبّ والحرب درجات يعرفها أهل العلم والخبرة والسياسة، ويختارون لكل حالة ما يناسبها من الأدوات والأفعال.

من الحماقة، بل من الخيانة لله وللأمة، أن نطمئن إلى عدونا ونركن إليه ونثق فيه. ومن الحماقة، بل من الجهل بدين الله وبالواقع والتاريخ، أن نجازف بصدام مباشر معه ونحن على هذه الدرجة من الضعف والانهيار.

لو أننا أمة بلا دين وبلا تاريخ لفهمت دعوات الذين يطالبوننا بأن نحب عدونا ونذوب فيه، ولفهمت كذلك دعوات الذين يريدون أن نعلن الحرب على النظام الدولي ونواجهه على كل الجبهات. أمَا ونحن أمة لها دين ولها تاريخ فإننا نعرف أن ديننا أرحمُ بنا من أن يقذفنا في الأخدود، وهو أشفَقُ علينا من أن نضيّع آخرتنا بموادّة أعدائنا والتخلي عن ديننا وترك ما أُمِرْنا به من الحذر والعمل والإعداد.

*   *   *

ماذا نفعل إذن؟ الجواب ليس في الخيالات الجامحة ولا في الضعف والاستسلام. إنه في نصوص ديننا المحكمة المتكاملة التي تُفهَم كلها معاً، وليس باجتزاء سطر من هنا وجملة من هناك، وهو في سيرة نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. إنما علينا حمل الدين وإقامته في الحياة الخاصة والعامة بقدر الوسع، والدفاع عن وجودنا في معركة لم يسبق لها في تاريخ البشرية مثيل، معركةِ عدمٍ أو وجود وبقاء أو فناء، وهي من الشراسة والضخامة بحيث تحتاج إدارتُها إلى أعظم العقول وأوسع الاجتهادات، ولا يصلح لها المتهورون ولا المتشددون الذين يجتزئون النصوص ويضيّقون الاجتهاد ويختارون أشد الاختيارات.

إن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لا تقسّم التاريخَ إلى ما قبل الهجرة وما بعدها ولا تقسم نصوص الحكم والجهاد إلى ناسخ ومنسوخ كما يظن كثيرون، بل تقسم ذلك كله بين “مرحلة الدعوة” و”مرحلة الدولة”، أو “حالة الضعف” و”حالة القوة”، ولكل منهما منظومة متكاملة من الأحكام.

المسلمون في مكة لم يُسمَح لهم بالقتال لأن صدامهم مع “النظام الإقليمي” الذي حكم مكة وجزيرة العرب وقتها كان معناه الموت والفناء، وفي الوقت ذاته لم يُسمَح لهم بعقد “مصالحة دائمة” مع ذلك النظام يَضيع معها الدين. لقد سُمح لهم بالمناورة والموادعة، بل سُمِح بالكفر اللفظي في بعض الأحيان، ولم يُطالَبوا من الواجبات الشرعية بأكثر مما يطيقون، ولا طولِبوا بإعلان الحرب على قريش أو تحدّي سلطانها وجبروتها، فعاشوا معها في بلد واحد تحت شعارات الكفر الظاهر، وعاشوا بضع عشرة سنة وسط الأصنام وهم لا يمدّون إليها يداً بتغيير أو تدمير.

*   *   *

بإيجاز: لقد أباح الإسلام للمسلمين الضعفاء الذين يعيشون في ظل نظام قوي كافر أن يتعايشوا معه بلا صدام، مع الاستمرار في الدعوة والالتزام بالدين بقدر الاستطاعة. هذا هو المقصود بتعايشنا الحتمي مع النظام الدولي اليوم وتجنّب الصدام المدمّر معه، وهو تعايشٌ مؤقت لا يَسمح لنا بالموادّة والذوبان ولا يعفينا من العمل والإعداد. وهذا الإيجاز له تفصيل يأتي في مقالة مطولة -لمن يهتم بالشرح والبيان- قريباً بإذن الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s