مشكلة الأمة الإسلامية

مشكلة الأمة الإسلامية
بين التفكير التسطيحي والتفكير التركيبي

مجاهد مأمون ديرانية

إذا كنت في غرفة مضاءة وانطفأ المصباح فجأة فإنك تقول: إما أن الكهرباء انقطعت أو احترقَ المصباح. إنها مشكلة سهلة لها سبب واضح وحل يسير. لكنْ ماذا لو أنك كنت مسؤولاً عن شركة كبيرة تعثّر عملُها واقتربت من الإفلاس؟ هل يصحّ أن تحصر المشكلة في قسم الإنتاج وحدَه؟ أو في فريق المبيعات؟ أو في إدارة المستودعات؟ أو في خطة التسويق؟ أو في المحاسبة والإدارة المالية؟ أو في إدارة الموارد البشرية وشؤون الموظفين؟ لو فعلتَ فسوف تهدر الموارد لعلاج سبب واحد وتغفل عن غيره من الأسباب فتنهار الشركة وتعجز عن النهوض، لأن المشكلة تكون غالباً -في حالة من هذا النوع- مشكلة “مركّبة” نشأت من أخطاء متراكمة شاركت فيها كل الأقسام، ولا يمكن إنقاذ الشركة إلا بمعالجة الأخطاء كلها معاً في الوقت نفسه.

أكثر مشكلات الحياة من النوع المركّب، ومشكلة ضعف الأمة الإسلامية وانهيارها من أكثر المشكلات تركيباً وتعقيداً في العصر الحاضر. فما أعجبَ المسلمين المتحمسين وما أبعدَهم عن الصواب حينما يبسّطون المشكلة ويسطّحونها، فيظنون أن مجرد تغيير رأس الدولة وإعلان حكومة إسلامية سيحل مشكلات الأمة حلاً معجَّلاً ويعيدها من فورها إلى الصدارة والريادة بين أمم الأرض.

هل تعرفون مكعّب روبيك الشهير ذا الألوان الستة؟ قد تنجح في حل السطح الأخضر بسهولة وسرعة، فإذا جئت تحل السطح الأصفر اختلّ الأخضر وتناثرت أجزاؤه بين الأسطح الخمسة الباقية. ثم إذا نجحت في حل السطحين الأخضر والأصفر بعد طول صبر وأردت حل السطح الأحمر تخرّب ما أنجزتَه من قبل واضطررت لبدء العملية كلها من جديد. الطريقة الوحيدة لحل هذا المكعّب العجيب هي ترتيب الأسطح الستة معاً في الوقت ذاته، وسوف تبقى كلها مضطربة متداخلة كلَّ الوقت حتى ينتهي الحل، فيأخذ كل سطح لونَه الصافي مع الحركات القليلة الأخيرة من سلسلة طويلة معقدة من الحركات.

هكذا تُحَلّ المشكلات المركبة المعقدة، وهكذا تُحَلّ مشكلات الأمة الإسلامية، وهكذا يمكن أن تنهض من كَبْوَتها وتسترجع حيويتها المفقودة وتتعافى من سقمها الطويل.

*   *   *

ثم إن المشكلات المركَّبة لا يمكن حلها إلا بالمثابرة والصبر والوقت الطويل. وهنا نصطدم مرة أخرى بالمتعجّلين المتحمسين من حَمَلة المشروع الإسلامي، الذين يريدون تحقيق حلمهم الكبير وإقامة دولة الإسلام في بضعة أشهر أو في بضع سنين، فيحرقون المراحل ويبدّدون قُوى الأمة وطاقاتها في غيرِ ما طائل، ويَصْدق فيهم الوصف البديع الذي ورد في حديث جابر المرسَل: “إنّ المُنْبَتّ لا أرضاً قطع ولا ظَهراً أبقى”. وما المُنْبَتّ؟ هو الذي يُجهِد دابّته (وكل دابة تُركَب تسمى ظَهْراً) فيواصل السفر عليها أياماً ولا يريحها حتى تهلك، فلا بلغ الغاية ولا بقيت له الدابة، ولو أنه تأنّى وأراح البعير بعد كل مسير لنجت دابته وبلغ غايته.

في عام 1978 كانت شركة كرايزلر العملاقة لصناعة السيارات على شفا الإفلاس، عندما استلم إدارتَها واحدٌ من عمالقة الإدارة العِظام في تاريخ الصناعة الأمريكية، لي أياكوكا، فنقلها من قعر الفشل إلى قمة النجاح. إن قصة نجاح “كرايزلر” وتحولها من شركة متعثرة إلى واحدة من أنجح منتجي السيارات (في ذلك الوقت) تُعتبَر من أساطير الصناعة الأمريكية المعاصرة، لكنها لم تتمّ بعصا سحرية في أشهر معدودات، بل استغرقت خمسَ سنوات من الجهد المخلص والعمل الدؤوب.

إذا استغرق إنقاذ تلك الشركة بضع سنين فكم يستغرق إنقاذ أمة من أكبر أمم الأرض؟ لقد استغرق سقوط الأمة الإسلامية أكثر من قرنين، فقد بدأت الإمبراطورية العثمانية (آخر الممالك الإسلامية الكبرى) بالتفكك والانهيار من أيام السلطان مصطفى الرابع وأخيه السلطان محمود الثاني، وما زالت الأمة منذئذ في تراجع وضعف وانحدار حتى صارت في الذيل بين الأمم، فلا يَظنّ أنها يمكن أن تسترجع عافيتَها وتنهض النهضةَ المرجوّة في بضع سنين إلا حالمٌ بعيد عن الواقع.

هؤلاء الحالمون الذين يحملون مثل تلك الخيالات الجامحة لا يصلحون لقيادة الأمة، فإنهم يَبِتّونها في مسيرها، فيقطعون ظهرها ويُعْجزونها عن بلوغ الغاية وتحقيق المُراد.

*   *   *

إن الأمة تعاني من علل في التدين والقِيَم وخلل في الأخلاق والسلوك، وتعاني من تخلّف في الصناعة والزراعة ومن ضعف في العلم والاقتصاد. ولا يمكن أن تتعافى من ضعفها بمجرد إقامة الفرائض واجتناب المحرمات، وإنْ كانت الطاعة والعبادة سبباً للنجاة في الآخرة، ولا يمكن أن تنهض من كبوتها بمجرد تطوير الصناعات وإصلاح الاقتصاد، وإنْ جلبَ ذلك الراحةَ والسعادة في الدنيا.

إننا نحتاج إلى نهضة حضارية شاملة كالنهضة التي نهضَتها الأمةُ أولَ مرة، فجمعت بين عمارة الدنيا وعمارة الآخرة، وكانت نموذجاً في عبادة الله والتخلّق بأخلاق الدين والأخذ بأسباب القوة المادية والاستفادة من الخبرات البشرية والمنجزات الدنيوية.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “رأيت صيدلياً مشغولاً ببحث صلاة تحية المسجد في أثناء خطبة الجمعة ومحاولاً ترجيح مذهب على مذهب، فقلت له: لماذا لا تنصر الإسلام في ميدانك وتدع هذا الموضوع لأهله؟ إن الإسلام في ميدان الدواء مهزوم، أفما كان الأولى بك وبإخوانك أن تصنعوا شيئاً لدينكم في ميدانٍ خَلا منه، بدل الدخول في موازنة بين مالك والشافعي؟”

ما أعظمَ فقهَ الشيخ وما أحوجَنا إلى مثل إدراكه! إننا نحتاج إلى المجاهدة في ميادين القتال لنكسب المعارك العسكرية، وفي ميادين الدعوة لنكسب المعارك الأخلاقية، ونحتاج إلى المجاهدة في ميادين الطب والعلم والصناعة والزراعة والاقتصاد لنكسب المعارك العلمية والتنموية والاقتصادية. وعندما ننجز واجباتنا كلها بنجاح سنتحول من “أمة ذيليّة” إلى “أمة صدرية”، سننتقل من الذيل إلى الصدر ونسترجع مكانتنا بين الأمم ونصل أمسَنا المجيد بيومنا الجديد.

هذا المنشور نشر في في الدعوة والإصلاح وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على مشكلة الأمة الإسلامية

  1. يقول هاشم السيد:

    يبدو للناظر غير العارف وأنت تصلح المكعب أنك تخربه أو تعبث به فكيف تريد منه أن يثق بك دون غيرك؟ وكيف يمكنه التمييز بين من يخربه فعلا ومن يعبث به حقيقة ومن يصلح جانبا ويفسد آخر ومن يعرف طريقة إصلاحه كاملا – وكلهم يدعي أنه يسعى للإصلاح – حتى يرى النتيجة أمامه؟ ولو كان يعرف طريقة واحدة للحل وأن هناك طرقا أخرى لا يعرفها للحل فكيف يتأكد أنك تسلك أحدها قبل رؤية نسق يبشر بذلك؟ ولو كان لا يعرف طريقة الحل لكنه يعلم أنك تجاوزت الوقت المعتاد له فهل عليه أن يشك بقدرتك على الحل أم يصبر وينتظرك انتظار وصول من يجري في مكانه؟

    • حياكم الله أخي الفاضل
      تعليق قيّم، بارك الله فيك.

      في الحقيقية فإن المثال المطروح (مثال المعكب ذي الأسطح الملونة) يفيد أن المشكلات المعقدة تُحَلّ معاً على التوازي وليس فُرادى على التوالي، والمثال الآخر (شركة السيارات الأمريكية) يفيد أن هذا النوع من المشكلات يحتاج حله إلى صبر ومثابرة ووقت طويل.

      لكن أياً من المثالين (ولا أي طرح آخر في المقالة) يقول إن علينا أن لا نصنع شيئاً سوى انتظار النتائج النهائية للعمل الذي نبذله، مهما طال حصاد النتائج ومهما مَرّ من زمن. وما أدرانا كما تفضلتَ: لعلنا نقوم بالعمل الخطأ ونمشي في اتجاه غير مثمر؟

      نعم، علينا أن نعمل على المحاور كلها معاً وأن نتحلى بالصبر والمثابرة والأناة، ولكن علينا أيضاً أن نقسم خططنا الإستراتيجية (الطويلة المدى) إلى خطط تكتيكية مرحلية متوسطة المدى وقصيرة المدى، وأن نُخضع عملَنا لتقويم ومراجعة مستمرَّين، فما وافق الخطة وثبَتَ نفعه ثَبّتناه وبنينا عليه، وما عارضَها وثبت ضرره تركناه ونبذناه وبحثنا على البديل الأفضل فتحولنا إليه.

      لو عدنا إلى شركة كرايزلر في المثال المذكور: هل يمكن أن نتخيل أن الشركة لم تقم بعمل ميزانيات ولم تنشر نتائج عملها إلا على رأس خمس سنين؟ مُحال. لا شك أنها كانت تصدر تقارير فصلية وميزانيات ونتائج عامة سنوية، وتَراجع وتقوّم وتستفيد من الخطأ والصواب. وهكذا الأمة في رحلتها الطويلة إلى اليقظة والنهضة.

      • يقول هاشم السيد:

        شكرا لكم على هذا الرد التوضيحي رغم أني كنت أقصد أن الأفراد يحتارون أمام جماعات وأحزاب وأنظمة تخلط عملا صالحا وآخر سيئا، وتبرر سيئاتها بالضرورة أو بالغايات المرجوة، وقد يستخدم أحد القادة وسائل فاسدة لغاية نبيلة أو لأجل محدود، فيدافع الأتباع عنه إحسانا للظن به، فيتمادى في الفساد حتى ينسى هو أو من يخلفه تلك الغاية وذلك الأجل، ويدافع الأتباع عنه هنا أيضا لأنهم يرون أن تغيير الواقع صار صعبا أو مهينا للإنجازات السابقة.
        أما تفصيل ما ذكرتموه فهو موجود في إدارة الجودة في العلوم الإدارية وفي الوصول إلى الوضع المثالي (Optimization) في العلوم الرياضية والهندسية. وأبسط المتطلبات فيها هو تحديد الأهداف، ومدى أهمية كل منها، والتقييم الدوري، والتطوير المرحلي. ولا يمكن في هذه الحالة لأسرة أو شركة أو جماعة أو حزب أو نظام ادعاء البدء بالإصلاح أو إعادة الأمجاد دون الشفافية التي تنشر ما سبق ودون قبول نقد أفرادها ونصحهم (feedback) في كل المراحل. وهذا يعني أن أفراد المنظومة أحرار متساوون، وأن كل فرد فيها مرتبط بكل أجزائها، يؤثر فيها ويتأثر بها. وليس منفذا للأوامر كجزء من آلة، لا يعرف أهميته ولا هدف الآلة، فيقيس أداءه بكمية ما يحصل عليه من مال أو ثناء.
        والكلام في ذلك يطول. والتطبيق هو المهم. وشكرا.

  2. يقول مسعود:

    كل هذا الذي ذكرت ممكن لو كان الغرب يدعنا وشأننا. ولكن واحسرتاه هو يضعنا تحت المجهر ويحاول وأد كل محاولة لنا للنهوض تحت أي عنوان وتعلة. وقد أورث هذا الحكام والناس عموما اليأس والاحباط ودفعهم إلى تمرير الوقت بالسعي للمصالح الشخصية الضيقة والعكوف على الشهوات إلى أن يفرجها الله عز وجل من عنده. والرجوع إلى الله سبحانه هو الشرط الأول للنهضة لأن الله تعالى سيحول بين الأعداء وبين وأد محاولاتنا للنهوض قبل أن يشتد عودنا ونصبح ندا لهم وقرنا. هذا هو السبب الذي يحاول الإسلاميون من أجله إقامة مجتمع يطبق فيه الشرع. والله سبحانه يتكفل بالباقي. والغرب يعلم هذا جيدا ولذا يجهد بكل ما أوتي من مكر وشر للحؤول بيننا وبين تطبيق الشرع. فإن لذلك ما بعده بكل تأكيد. وإلا لو كان تطبيق الشريعة وحده لا يثمر شيئا ذا بال في حل المشاكل الحضارية لتركونا وشأننا كما يتركون كثيرا من الحضارات الضالة من هندية وصينية وأفريقية ولقالوا عن تطبيقنا للشريعة أنه اختلاف حضاري يثري الإرث الإنساني.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s