الطريق إلى النّصر

الطريق إلى النّصر

مجاهد مأمون ديرانية

أول خطوة في الطريق إلى النصر هي الإيمان بأننا منتصرون بإذن الله، فإن الإيمان بالنصر يصنع النصر، كما أن الإيمان بالهزيمة يصنع الهزيمة.

ما هذا خيالاً ولا كلامَ عجائز، بل هو علم أثبته الطب التجريبي وعلم النفس السريري (الإكلنيكي)، فقد رصد الأطباء حالات لا تُحصى لمرضى حكم عليهم الطب بالموت أو بالعجز والقعود، فقالوا: بل سننجو ونمشي على ساقين، فنجَوا ومشَوا وعاشوا ما شاء الله لهم أن يعيشوا بخير وعافية. وآخرون لم يُصابوا إلا بأخفّ الأمراض وأهون الإصابات، ولكنهم فقدوا الإرادة والرغبة في الحياة والشفاء، فماتوا غيرَ بعيد أو عاشوا في مرض وعجز أبدَ الحياة.

أمّا علماء النفس فإنهم يؤكدون أن قوة الإيحاء وقوة الخيال أقوى من الحقيقة. يقولون: جرب بنفسك. كم مرّةً مشيت فوق رصيف عرضُه ثلاثون سنتمتراً فلم تزِلّ قدمُك، ولو قيل لك “امشِ على خشبة ممتدة بين عمارتين على ارتفاع عشرين طابقاً” فسوف تسقط عنها ولو كان عرضها خمسين سنتمتراً أو مئة، لأن خيالك يقول لك: لن تنجح، ستسقط. فإذا أكدتَ لنفسك أنك ستسقط فأنت ساقط لا محالة.

ولعل هذا هو معنى الحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده فقال: “لا بأس، طَهور إن شاء الله”. فقال الرجل: كلا، بل حمّى تفور على شيخ كبير تُزيره القبور. فقال صلى الله عليه وسلم: “فنَعَمْ إذن”. الذي أفهمه من الحديث هو أن الرجل سينال ما توقعه، فإن أحسن الظن بالله وامتلأ قلبُه باليقين أنه يشفى بأمر الله شُفي بأمر الله، وإن أساء الظن بربه وظن أنه هالك فهو كذلك.

*   *   *

أول خطوة في الطريق إلى النصر أن نثق بالله وبنصر الله، وأن نعلم أن الله ناصرُنا إذا وثقنا به واتكلنا عليه حق التوكل. ولكن ما حق التوكل؟ إنه الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الجميل: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتَروح بِطاناً”.

أرأيتم ما تصنعه الطير؟ هل توكلت على الله ونامت في أعشاشها حتى أتاها رزقها يسعى؟ لا، بل هي خرجت مبكّرة وبطونُها خاوية، فلم ترجع آخِرَ اليوم إلا ببطون ممتلئة. وكذلك كل من توكل على الله حق التوكل: ينفق يومه في السعي والعمل واتخاذ الأسباب، ثم ينتظر الرزق من الله.

وفي حديث أنس (وحسّنه الألباني في صحيح الترمذي) أن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ناقته: هل يتوكل على الله ويتركها شارِدةً بلا عِقال، أي بلا حبل يحبسها؟ قال: “اعقِلْها وتوكل”.

كلمتان من عشرة أحرف فيهما قاعدة القواعد في الحياة: ابذل غاية الجهد الدنيوي وخذ بما تستطيع الأخذ به من أسباب، ثم توكل على الله واطلب منه النجاة والنجاح.

*   *   *

يا أيها الناس: ثقوا بالله أولاً، وآمِنوا يقيناً أن النصر آتٍ آتٍ ولو بعد حين بإذن الله رب العالمين، ولكنه لن يتنزّل على كُسالى عاجزين، إنما يَمُنّ الله به على المتوكلين العاملين. فما هو العمل الذي نستطيع أن نعمله لنعمله فنستحق نصر الله؟

بعد نشر المقالة الأخيرة التي هجوت فيها أسلوب التغلّب ورفضت أن يكون السلاح وسيلةً لتوحيد الفصائل بالقوة سأل كثيرون سؤالَ اليائسين: وماذا إذن؟ كيف ننجو وكيف ننتصر إذا بقيت الفصائل على عنادها وأصرّت على الفرقة والتشرذم بعد ستّ سنين؟ لم يبقَ شيء يمكن عمله سوى التغلب والإكراه على الاجتماع بقوة السلاح.

بلى، يوجد الكثير الذي نستطيع أن نصنعه والذي يجب أن نصنعه، فإذا صنعناه فسوف نكون أقربَ إلى النصر من أيّ يوم مضى بإذن الله. التفصيل في المقالة الآتية إن شاء الله.

 

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر, عِبَر وفِكَر وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s